سياسة
اكتب تعليقُا

تقدمية الإخبارية السورية. وجه الوزير والشاشة الإسرائيلية. إياكم والجزيرة. حماسوفوبيا بالمصري

التقدمية على الإخبارية السورية

بدأ التقرير على قناة «الإخبارية السورية» كالتالي: «مع إشراقة كل شمس، يُلقي الفلسطينيون للعالم دروساً في مواجهة الظلم العالمي»، ويكمل التقرير في عرض صور بعض عناصر التنظيمات «اليسارية» في الضفة الغربية (سمّتهم القناة بتنظيمات تقدّمية تيمّناً بالجبهة الوطنية التقدّمية في سوريا والتي يقودها حزب البعث العربي الاشتراكي) متظاهرين تضامناً مع نظام الأسد.

هؤلاء قسم (بائس) من الفلسطينيين، صحيح، لكنهم ليسوا الفلسطينيين، بـ ال التعريف كما قالها التقرير، لأن قسماً كبيراً من هذا الشعب ما يزال يلقي للعالم دروساً في مواجهة الظلم، لكن ليس ما اقتصرت على ذكره القناة بتقريرها، الظلم العالمي وحسب، بل ظلم آخر حاولت القناة الهروب منه مبتعدة قدر الإمكان، بالتشديد على سمة العالمي للظلم الذي يواجهه الفلسطينيون.

كل المآسي الحاصلة في سوريا تُظهر بأن هنالك ما يمكن أن يفوق الظلم العالمي في اجتراح المآسي، أنجز النظام من ظلم في سنتين ونصف ما يتطلب من «الظلم العالمي» جهداً استثنائياً لتحقيقه في المدة ذاتها، ليس لخفّة الأخير بل لثقل الأوّل. وهو ما جرّبه السوريون والفلسطينيون في الحرب التي تشنّها قوّات النظام على الناس في تلك البلاد، حرب كثر فيها الاعتقال والتعذيب، ثم التعذيب حتى القتل.

قبل أيام تمّ إبلاغ أهالي خمسة من المعتقلين الفلسطينيين في سجون النظام السوري، بأن أبناءهم قد استشهدوا، قد قُتلوا، وهم من زينة شباب المخيم، شباب متطوعون في العمل الإغاثي والإنساني في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، كرّسوا أنفسهم لأجل الآخرين وكانت حرّيتهم ثم حياتهم ثمناً لذلك. اعتُقلوا لأنهم اختاروا العمل الإنساني لا المسلّح ولا المواجه للنظام بشكله المباشر، وتم ذلك في فترات متفاوتة، ثم تم تعذيبهم إلى أن لم يعودوا يطيقون فاستشهدوا.

هؤلاء هم الفلسطينيون الذين، إلى جانب السوريين، يُلقون للعالم دروساً في مواجهة الظلم، العالمي منه و«الوطني»، ليس أبداً عناصر تابعة لفصائل تابعة لذلك النظام «الوطني»، بظلمه «الوطني» وحربه «الوطنية» على الشعب.

وجه الوزير مالئ الشاشة الإسرائيلية

ما الذي يعنيه أن نرى وزير الخارجية المصري نبيل فهمي على قناة إسرائيلية، في مقابلة خاصة ووجهه قد ملأ نصف الشاشة؟ لا فعلاً أسأل: هو أمر عادي ولم أدركه مسبقاً، أم أننا سنعتاد عليه في مصرَ عبفتّاح إسيسي، أم ماذا؟

هنالك قناة إسرائيلية جديدة اسمها «آي ٢٤ نيوز»، ناطقة بالعربية والانجليزية والفرنسية، ما زالت في أيامها الأولى (وآمل ألا تغادرها)، والخبر العربي الأول الذي تبثّه كان عن مقابلة خاصة أجرتها القناة المذكورة مع الوزير المذكور، والمذيعة فرِحة بذلك، وشارة «حصريا آي ٢٤» الحمراء تملأ القسم الآخر من الشاشة، ما لم يملؤه وجه سيادة الوزير الباسم.

ماذا لو اقترح أحدهم (مثلاً) على سيادته أن ينمح مقابلة حصرية لقناة «الأقصى» التابعة لحركة «حماس» (أعوذ بالله)؟ أم أنها فعلاً، وليس إعلامياً فقط، العدو الأساسي الذي لم تعد تكفي المحاكمة على التخابر معه (تلفون، سكايب، واتس أب، مهما يكن..)، فبدأت تظهر حركات تغزّل رسمية غير مباشرة (أفترضُ حسن النوايا) تُعطي مقابلات حصرية لقنوات إسرائيلية؟

هي على كل حال فرصة للقنوات الإسرائيلية الناطقة بالعبرية لاستضافة وزراء من الحكم الجديد في مصر بعد الظهور المقرّب لسيادة وزير الخارجية وقد ملأ وجهه الشاشة الإسرائيلية، (ما حدا أحسن من حدا).

وإياكم والظهور على «الجزيرة»

وفي السياق ذاته، الحملة ذاتها، وعلى قناة «روتانا مصرية» السعودية في برنامج «ساعة مصرية»، تهجّم مقدّمه تامر أمين (أبو فِست الملتصق بكلّ قمصانه) على ضيوف قناة «الجزيرة» من المصريين، مطالباً إياهم بعدم الذهاب إلى القناة أو الظهور على شاشتها، وتحديداً من ظهر منهم مدافعاً عن انقلاب عبفتّاح إسيسي.

إن حاولت إذن «الجزيرة» استضافة أصحاب الرأي الآخر، لإحداث حالة من الموضوعية (الصعبة) في القناة، لتقديمه لمشاهديها من المصريين، ما يزيد عددهم عددَ مشاهدي شلّة قنوات «أفرم يا سيسي» و« كمّل جميلك يا سيسي» المصرية، وهم يعرفون ذلك على ما يبدو فنرى «الجزيرة» مركزاً حيوياً دائماً لمعظم تهجّماتهم، وإن حاولت هي استضافة أحدهم، يخرج لنا أبو فِست أو أحد أمثاله مطالباً إياه بألا يظهر على هذه القناة الـ.. وتبدأ وصلة الردح والشتم، وبكل مهنية! كما في «ساعة مصرية».

أما البديل الذي أقترحه على هؤلاء، فهي تلك القناة الإسرائيلية، ولن يضير ذلك حكّامَ مصر الجدد والحاشية الإعلامية المرافقة كما تبيّن من تجربة سيادة الوزير الذي ملأ وجهه نصف الشاشة الإسرائيلية، أو كلّها.

وبالمناسبة، أسأل ضيوف «الجزيرة» هؤلاء، من جماعة إسّيسي (إنما الحمائم)، ألا يملّون من استهلال جميع (جميع!) إجاباتهم على أسئلة المذيعين (المتسلّين بهم) بالتالي: أولاً أصحّح لكم، ليس هذا انقلاباً بل ثورة شعبية وثقفز رهعقدرفه لدوثحخاضجهاتا هتزفحخ..

حماسوفوبيا بالمصري

ليس بعيداً عن تلك القناة الإسرائيلية (ولا عن «روتانا مصرية» السعودية)، وفيما هو أقل مهنياً مع كثير من الكره للفلسطينيين، ننتقل إلى قناة «التحرير»، والبرنامج الذي عوّدنا على تقديم ما يفوق كل ما ظهر على الشاشات المصرية من هستيريا التحريض، «الشعب يريد». فقد عرض البرنامج شريطاً لتدريبات حركة «حماس» في غرة تحت عنوان رافق العرض على الشاشة هو «تدريبات أنصار الإخوان في غزة لتجهيز الجيش الحر لتحويل مصر لسوريا»، إذن هذه الوجوه الملثمة والزنود المسلّحة والتدريبات العسكرية مع خلفية موسيقية «حماسيّة» مدعاة للسخرية كالشريط بأكمله، هم أولاً أنصار الإخوان، وثانياً يجهّزون لجيش حر، وثالثاً سيحوّلون مصر لسوريا، ثلاث رسائل للمُشاهد قد تغنيه عمّا سيلحقها من هستيريا التحريض الذي تميّزت به هذه القناة.

ينتهي الفيديو ليخرج لنا مقدّم البرنامج صارخاً مفنجراً عينيه محذّراً بإصبعه مطالباً الجيش المصري «بضرب هذه المعسكرات، هي حرب ضد مصر»، قائلاً بأنهم «إرهابيين وقتلة»، «ما الذي تنتظره، اضرب، أنت الآن تتعامل مع عدو، هذا عدو، اضرب حماس كما ضربت إسرائيل في ١٩٧٣»، يعيد ويزيد مخاطباً جيشَ الدفاع، جيشَ عبفتّاح إسيسي: «هذه جماعات إرهابية وهذا جيش سيأتي ليضربك ويفعل كما حصل في سوريا، لو انتظرتم أنتم، الشعب لن ينتظر، سيضرب كلّ حمساوي متواجد في مصر»، ثمّ يحمرّ وجهه وتكاد عيناه تنفقئ ويكاد هو يختنق بصراخه (مش منيح الواحد يشد ع حاله هيك ع فكرة).

والتحريض الذي نسمع صراخه الهستيري هنا لا يكتفي «بحماس»، بل امتدّ ليطول أهالي غزّة كلّهم، وهو ما كتبتُ عنه مسبقاً في هذه الزاوية، أن التحريض على «حماس» ليس إلا غطاءاً لتحريض أوسع يطال الفلسطينيين أجمع وبالأخص منهم أهالي غزة. تكتمل وصلة التحريض المَرَضي: «ولا نريد أحداً أن يأتينا من غزّة، نهائياً، اقفلوا موضوع غزة، واقفلوا معبر رفح، لا نريد شيئاً من عندهم، لا خير ولا شر، من سيموت ليمت هناك، لا نريد أن نعالج ولا أن ندخل أحداً عندنا».

يُقال عسكرياً بأن المكافأة تُخصَّص والعقاب يُعمَّم، وهذا على ما يبدو المنطق المتحكّم في التعامل مع قطاع غزة، وهنا أحكي عن العقاب (أي مكافأة يمكن أن تكون لهذا القطاع يا حسرة!)، كما أحكي عن مصر المحكومة من قبل العسكر ومنطقهم وقانون طوارئهم، فبجريرة (الأصح: حجّة) حماس يُعاقب أهالي غزّة كلّهم، مضافاً على ما يعانونه من حصار مستمر وحروب مستمرة، وما يعانونه من حكم حماس القمعي والديني القابع على صدور الغزّيين.

كأن أهالي غزّة ينقصهم حصار وضرب جديد يكون هذه المرّة مصرياً (يا فرحتك يابو مازن)!

بعد تكرار ما قاله أعلاه بعبارات أخرى كي ترسخ في ذهن المشاهد وربّما العسكر المصري، يتفوّق الرجل (قبل أن يطقّ له عرق) على نفسه باتهام «حماس» «بالتخطيط لمحاولات اغتيال لقيادات القوات المسلحة» وكذلك بـ «العمليات الإرهابية» محذّراً من أن مصر ستصير كسوريا بهؤلاء، ثم ينهي كلامه قائلاً: «لا نريد صريخ (أي طفلاً) ابن يومين يأتينا من عندهم».

العبارة الأخيرة كانت زبدة كل ما قاله، الآن «بَقّوا البحصة». على الأغلب سيخفّ الحديث منذ الآن عن «حماس» وتهديداتها الفانتازية بتشكيل الجيش الحر وعملها ليل نهار على افتعال الحرب الأهلية المصرية (جميع المصريين يموتون في دباديب بعض ع فكرة) لأسباب لا يعلمها غير المحفل الإخواني التآمري العالمي. سيخفّ الهوس بقدرات «حماس» المهولة والواقعية السحرية في روايتها، سيخفّ التطرّق إلى كلّ ذلك لأن أحدهم افتتح الطريق لباقي حاشية إسّيسي الإعلامية للحديث بكل وضوح ومباشرة ودون تَوريات واستعارات أدبية، عن أهالي غزّة.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-hamaso4357

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s