سينما
اكتب تعليقُا

ألبير كامو، فيلم عن سيرة لم تكتمل. عن الروائي والفيلسوف الفرنسي والفيلم المبني على كتابه

 لم يكن من السهل على المخرج الإيطالي جياني أميليو نقل السيرة الذاتية التي كتبها المفكّر الفرنسي ألبير كامو على هيئة رواية إلى السينما لأمرين: أولهما هو السؤال الدائم الذي يحوم حول الأفلام المأخوذة عن أعمال روائية اكتسبت مكانة معرفيّة كونها كتباً مطبوعة، وثانياً أن الرواية التي نتحدث عنها هي العمل غير المكتمل لكامو الذي يروي فيها عن طفولته في الجزائر، كامو الذي مات بحادثٍ وُجدت مسودّة هذه الرواية بين ركام السيارة التي كان يستقلها، ثانياً تحديداً أنها لم تكتمل، أي أنها ناقصة درامياً ما يكفي للحؤول دون نقلها سينمائياً -أو هكذا نظن- وهي لم تزل مسودّة رغم اعتراف النقّاد بأنها أحد أهم إنجازات كامو. لاحقاً، جمّعت المخطوط ابنته كاثرين كامو ونشرته في كتاب عام ١٩٩٤.

الفيلم الفرنسي/الإيطالي (١٠٠ دقيقة) الذي يحمل اسم الرواية (Le Premier homme) يحمل رؤية مخرجه وكاتب السيناريو له، في تصوّر سينمائي اعتمد تقنيتَي الفلاش باك والفلاش فوروورد، في نقل متوازٍ بين الحياتين اللتين عاشهما بطل الرواية جاك كورمري (يقوم بدوره الفرنسي جاك غامبلين) طفلاً في عشرينيات القرن الماضي، وكاتباً مكرّساً في فرنسا وقد رجع في زيارة إلى الجزائر وإلى والدته فيها عام ١٩٥٧ إبان حرب التحرير هناك.

يبدأ الفيلم بوقوف كورمري عام ١٩٥٧ عند قبر أبيه محاولاً أن يفهم سبب مقتله في الحرب العالمية الأولى وبعد سنة واحدة من ولادته، مدركاً أنه الآن أكبر من والده في حينه وقد كان في ٢٥ من عمره. ثم يحملنا الفيلم في مشاهد مقطّعة متناوبة بين طفولة كورمري وزمنه الحاضر حيث نراه ككاتب بنى شهرته في فرنسا من خلال كتاباته الفلسفية والسياسية، ما يظهره الفيلم منذ بدايته وحتى مشاهده الأخيرة وعلى أساسها يبني مشاهده وأحداثه. فور عودته إلى مسقط رأسه في الجزائر، يصطدم كورمري بالجدال السياسي الحاد الذي ساد في حينه حول الاحتلال الفرنسي لذلك البلد العربي، حيث تم رفضه من قبل الفرنسيين الداعين بجزائر فرنسية والداعمين لاحتلالها، متظاهرين ضده ومقاطعين محاضرته لما يحمله من مواقفة داعية للاحترام المتبادل والتعايش السلمي مع الجزائريين والرافضة لأساليب الاحتلال العنفية.

في زيارته للجزائر، يظهر كورمري بين مشهد وآخر مع والدته الذي تمنحه فسحة من الراحة الذهنية التي يحتاجها في خضم الجدال السياسي القائم، لكن ظهورها في الفيلم يصحبه كذلك استرجاع هذا الكاتب لذكريات طفولته القاسية والفقيرة وبالتالي حضور جدته التي لا تزيد تلك الطفولة إلا شقاء، وقد خبر كورمري الطفل الغبنَ حينها في أكثر من مناسبة، في الحارة وفي المدرسة وفي المطبعة.

لم يسمح الحادث لألبير كامو بأن ينهي سيرته التي تجسّدت في الكتاب -ولاحقاً الفيلم- بشخصية جاك كورمري، انتهت حياة كامو فجأة ومن منتصفها ربما، كأن الراوية التي لم تكتمل انتهت من حيث لم يرد كامو أن ينهيها، من منتصفها. الفيلم كذلك، في مسايرة سينمائية للرواية، ينتهي بغتة، من حيث لا ندري أو نتوقع، دون أن يكمل دورته أو بنيته الدرامية، كأن شيئاً ما بقي معلقاً حتى بعد إنارة القاعة.

في تصوير لحالة العجز التي يمكن أن يشكلها فرد في هذه الحرب، ولو كان بمكانة كورمري، نشاهد محاولة هذا الكاتب باللجوء لمعارفه في السلطات استجابةً لصديق طفولته حمود الذي رجاه أن ينقذ ابنه عزيز من حكم الإعدام، وهو المعتقل بتهمة الانتماء إلى المقاومة الجزائرية. وفي مشهد مأساوي في السجن حيث استطاع كورمري تدبير زيارة لصديق طفولته، وبدافع أبويّ، يطلب حمود من ابنه التنصل من أفكاره الوطنية ولو شفاهة لينجو من حكم الإعدام، لكن الشاب الحاسم في كلامه يعتذر لوالده ويرفض أي إنكار لدوره في المقاومة مقدماً بلده على نفسه وأهله.

يُبنى الفيلم على مسارين متوازيين: أولهما تفاصيل من حياة كورمري (أو كامو) الطفل، تأتينا من خلال زيارات كورمري الكاتب الاستعادية لتلك التفاصيل ذاتها بأمكنتها وشخوصها، أناس كان لكورمري الطفل حكايات معهم. تسري أحداث الحياتين بالتوازي، لنفهم من خلالها مواقف لكورمري (كامو) المساندة للعرب الجزائريين وفي مواجهة الفرنسيين المقيمين في الجزائر والمطالبين بجزائر فرنسية، من يُعرفون بـ Pied-Noir، وهو ما سأل عنه كورمري الطفل أخته ليخيب أمله حين تخبره بأننا نحن «أصحاب الأقدام السوداء»، هؤلاء أنفسهم من قاطعوه لاحقاً أثناء محاضرة له في إحدى الجامعات في الجزائر مدافعاً عن أهل تلك البلاد أوّل زيارته.

يسود الفيلم هدوء يسببه الأداء العام للممثلين، والدة كورمري الأمية (تقوم بدورها الإيطالية مايا سانسا ولاحقاً الفرنسية كاثرين سولا)، ومدرّسه (يقوم بدوره الفرنسي دينيس بوداليديه) صاحب الفضل في استكمال كورمري لدراسته الثانوية بعد أن أخرجه من العمل في مطبعة، وبالتالي ليصير الطفلُ ألبير كامو الذي نعرفه- إضافة للموسيقى المصطحبة، وبشكل أساسي أداء الممثلَين في شخصية كورمري الطفل طالب المدرسة والرجل الكاتب صاحب الشهرة، في تناقض واضح مع جدة كورمري القاسية والمحافظة.

لم يسمح الحادث لألبير كامو بأن ينهي سيرته التي تجسّدت في الكتاب -ولاحقاً الفيلم- بشخصية جاك كورمري، انتهت حياة كامو فجأة ومن منتصفها ربما، كأن الراوية التي لم تكتمل انتهت من حيث لم يرد كامو أن ينهيها، من منتصفها. الفيلم كذلك، في مسايرة سينمائية للرواية، ينتهي بغتة، من حيث لا ندري أو نتوقع، دون أن يكمل دورته أو بنيته الدرامية، كأن شيئاً ما بقي معلقاً حتى بعد إنارة القاعة.

بالشراكة مع سينما أوتوبيا في فرنسا

في الدوحة الثقافية

albercamu3456

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s