سياسة
اكتب تعليقُا

مشكلتهم في عرض صور القتلى لا في قتلهم. صرخة سائق التاكسي الحلبي. الإعلام المصري والكذب

مشكلتهم في عرض صور القتلى، لا في قتلهم

هنالك من الصحافيين المؤيدين للنظام السوري من أبدى )حرصاً على مشاعر المشاهد( انزعاجه من عرض صور الأطفال النيام كالموتى أو الموتى كالنيام بعد أن ملأ النظام السوري رئاتهم بالغازات الكيماوية، انزعجوا مصرّحين أن ليس في ذلك أي مهنيّة وأنه لا يجب عرض صوراً كهذه على التلفزيون. هنالك آخرون استنكروا عرضها قائلين بأن ذلك تمّ لأغراض سياسية وحسب، أي أنهم لم يبالوا في مضمون ما عرضته الصور بل في الاستخدام السياسي المفترض لهذه الصور.

لكن ألم يسأل هؤلاء عن الأطفال أنفسهم قبل أن يسألوا عن صورهم؟ ألم يستنكروا قتلهم قبل أن يستنكروا عرض صورهم مقتولين؟ ألا تحتاج المهنية التي يتكلّمون باسمها بعضاً من الإنسانية والأخلاقية والموضوعية والمصداقية التي يمكن أن تُبنى عليها أي مهنية إعلامية؟ ولو!

على كل حال، سأطرح مثالاً إعلامياً لشركاء هؤلاء الصحافيين في معركتهم هم ونظام الأسد ضد الصهيونية وأتباعها في المنطقة (أي الشعب السوري والفلسطينيين في مخيمات تلك البلاد المنكوبة). ليشاهد هؤلاء بعضاً من النشرات الإخبارية على قناة «سما» السوريّة مثلاً، ولولا حاجتي لمادة كتابيّة لما أجبرت نفسي على مشاهدة بعضها. تقاريرها إما تكون من تلك التي تحكي عمّا تسمّيه ضحايا الإرهابيين تُظهر فيها صوراً قد تخجل إدارة «يوتيوب» بحضرة جلالها من السماح بها لما فيها مشاهد فجّة لدماء تنزف وأطراف تتدلّى وأحشاء منتفخة، معتقدةً «سما» أن بشاعة المَشاهد المعروضة كفيلة باستفزاز مشاعر المُشاهد وإقناعه بروايتها لما حصل (والكاذبة بطبيعة الحال)، ثم ترافق هذه المَشاهد موسيقى تصويرية بكائية يعلو صوتها صوت المعلّق أحياناً (بإرشادات من رجل أمن يقف فوق رأس معدّ التقرير على الأغلب). وإما تكون تقارير القناة من تلك التي تحكي عن تقدّم جيش النظام وما يسمّونه استعادته للمواقع، نشاهد حركات استعراضية تُعرض بطيئة (سلوو موشن) لنعيش الظفر لحظة بلحظة، كأننا نشاهد استعادة للجولان. تُرفق عادة بموسيقى تصويرية من تلك التي نسمعها في مسلسل «رأفت الهجّان».

لن أحكي عن مضمون تلك التقارير لأنها خارج نطاق المعقول أصلاً، كباقي المضامين التي نجدها في أي وسيلة إعلام ناطقة باسم النظام السوري بشكل مباشر أو غير مباشر.

لا أكترث بما يمكن أن تبثّه أو تنشره تلك الوسائل، تلفزيونات وصحف، لكنّي فعلاً لا أفهم كيف يمكن أن تكون لصحافي مشكلة مع عرض صور لأطفال قتلى دون أن تكون لديه مشكلة مع فعل القتل، دون أن تكون لديه مشكلة مع قاتلهم؟ بل ويؤيد ذلك القاتل في قتله، وهو السبب ربّما في انزعاجهم من عرض صور الأطفال القتلى، تأييد القاتل. المسألة صارت ظاهرة، يسهل تبيانها في أي من سلوك القنوات والصحف المؤيدة للنظام، واللبنانية منها تحديداً.

بالمناسبة، شخصياً أتجنّب المرور بأي صورة تحوي قتلى ودماء.

صرخة سائق التاكسي الحلبي

عرضت قناة «العربية» فيلما وثائقياً بعنوان «سوريا أطفال الحرية» يحكي عن أطفال درعا الذين أشعلوا الثورة السورية وأطلقوها من هناك إلى باقي المدن والقرى السورية التي باتت أسماؤها مألوفة لدينا. حاولت المخرجة (التي لم يظهر اسمها) تقصّي الأطفال ممن كتبوا شعارات كـ «حرية» و«إرحل يا بشار» و«سوريا حرة» على سور مدرسة الأربعين في درعا في فبراير ٢٠١١. من باريس حيث إلتقت بأحدهم إلى مخيم الزعتري في الأردن، لتواصل رحلتها إلى الأماكن المحرّرة في سوريا من درعا جنوباً إلى حلب شمالاً.

يتناول الفيلم مأساة الأطفال السوريين من خلال روايات أطفال درعا، يحكي عن المعاناة التي يكابدونها في مخيم الزعتري، كما في قراهم ومدنهم حيث يتعرّضون للقصف والقنص والاعتقال والتعذيب.

صُوّر الفيلم قبل المجزرة التي ارتكبها النظام بقصف الكيماوي في الغوطة في ريف دمشق مؤخراً، والتي كان معظم ضحاياها من الأطفال، وهي مأساة مكتملة تُضاف لما مرّ به الأطفال في سوريا.

الفيلم الذي بدأ بأجمل أغاني الثورات العربية وهي «يلا إرحل يا بشار» بصوت إبراهيم القاشوش، بدأ كذلك برواية القصة السورية من أساسها، كيف انطلقت وكيف تطوّرت، وعبر قصص الأطفال وأهاليهم، ينقل شهادات ممن كتبوا على أسوار مدرسة الأربعين، وشهادات ممن تم اعتقالهم وتعذيبهم من تلاميذ المدرسة.

يمرّ الفيلم بالقتل اليومي الذي يتعرّض له الشعب السوري بأطفاله قبل نسائه ورجاله، لينتهي بصرخة سائق التاكسي الحلبي البسيط الذي أوصل المخرجة إلى الحدود السورية، صرخة من القلب تلخّص مناجاة هؤلاء الأطفال وأهاليهم:

وين العالم وين الدنيا وين الأجانب، عرب لا حول ولا قوة، الأجانب وين الأوروبيين وين الديمقراطية وين الإنسانية وين؟ تجارة كلو تجارة كلو مصاري، البني آدم رخيص. دلائل، أخدتو كتير دلائل، اتحاد أوروبي، اتحاد أوروبي، اتحاد سوفييتي، اتحاد ما بعرف إشّو، حاج لك شبِعنا كذب، شو ضل بدكن؟ لكْ ما في دليل إلا وصلكن، إيش بدكن لحتى تدّخّلوا؟ إشو تم لحتى نقدملكن اياه لحتى تدّخّلوا؟ إيش بدكن لحتى نقدّم؟ أكتر من هيك؟ أكتر من هيك دمار؟

الفيلم لم يكن سياسياً بالمناسبة، حاول جاهداً أن يقارب المسألة السورية الحالية من ناحية إنسانية، المعاناة التي تعصف باللاجئين السوريين من جهة، والقتل اليومي الذي يحوم في جميع القرى والمدن التي طالبت بالحرية وإسقاط نظام الأسد من جهة. هنا أُسقط على هذه المسألة ما أقوله في مسألة الشعب الفلسطيني ولاجئيه تحديداً، أن مأساة اللاجئين الفلسطينيين التي بدأت مع الاحتلال الإسرائيلي عام ١٩٤٨ هي مأساة إنسانية بامتياز، كما مأساة السوريين اليوم، لكن حلّها لا يكون حلاً إنسانياً بمساعدات وإغاثة وتشغيل وأنجلينا جولي والخ، هي معاناة إنسانية لا يكون حلّها إلا سياسياً لأن للمعاناة هذه أصل سياسيٌ حاضر وبقوّة في كلا القضيتين، فلسطينياً وسورياً، حلٌ تلخّصه شعارات التلاميذ على أسوار مدرستهم: حرية.

العديد من الأفلام تمّ تصويرها في سوريا ومخيمات اللاجئين السوريين، وهي محاولة جماعية متفرّقة لتوثيق الثورة فيلمياً، لكن هذا ما لا نشاهده إلا قليلاً على القنوات العربية. الصورة التي تنقلها الأفلام فيها ما لا يمكن أن تنقله التقارير الإخبارية اليومية، فيها الكثير مما لا نعرفه عن السوريين وثورتهم والتفاصيل الحياتية والإنسانية لديهم. أليست الثورة السورية جديرة ببرامج أسبوعية تُخصّص لعرض وثائقيات عن الثورة؟ برسم القنوات العربية (عدا «الميادين» و «سما»).

الإعلام المصري وصناعته للكذب

عاد للانتشار مؤخراً، وعبر «يوتيوب»، فيلم كانت قناة «الجزيرة الوثائقية» قد بثّته منذ فترة، اسم الفيلم «صناعة الكذب» ويحكي عن الكذب الذي صنعته وسائل الإعلام المصرية خلال الأيام الثماني عشرة من عمر الثورة المصرية، والوسائل هذه في معظمها كانت مؤيدة لنظام مبارك حينذاك (قبل أن تتحوّل إلى ثورية بقدرة قادر) تصنع الكذبة وتلقيها على المشاهدين.

يقول الفيلم في مقدّمته أنه يقدّم لائحة من الأساليب التي اعتمدتها وسائل الإعلام تلك في صناعة الصورة التي تروق لنظام مبارك خلال تغطية ثورة يناير، وتضيف المقدّمة أن هذه اللائحة أتت كمحصّلة دراسات مطوّلة للمشهد المصري إعلامياً، تلفزيونات وصحف.

سأورد لكم اللائحة الآن هنا لنرى مدى التطابق الذي تظهره فيما يخص وسائل الإعلام ذاتها، والتي عادت مؤخراً لتصنع الكذب ذاته مستفيدة من بعض الأساليب هذه:

١- استبق الأحداث: أي أن تردّد على المشاهدين بأن مصر ليست تونس قبل احتمال أن تندلع الثورة. ٢- هوّل: أي أن تمنح أعداءك قوة خطرة وتخريبية على المجتمع وبنيته. ٣- هوّن: أي أن تردّد بأن الحياة عادية وأن الناس تحب الريّس. ٣- أفزعهم: أي إن كان لا بدّ من ثورة فأعلمهم أنها تجرّ الويلات وأن السجون فُتحت والسجناء في طريقهم إلى التظاهر، وأن الانفلات الأمني والاغتصاب والسرقة وأعمال الشغب ستعمّ المظاهرات. ٤- شتت وشوه: أي أن تبدأ حربك على الثوار بعد إثارتك الرعب فيهم، فاضربهم دون رحمة ثم أشع فكرة إصلاح النظام لا إسقاطه وردّده. ٥- كن أنت الراوي الوحيد: أي احرص على أن تنتشر روايتك أنت للأحداث واكتم الروايات الأخرى. ٦- استخدم العاطفة: أي أن تردّد بأن الريّس هو الرجل الذي خدم البلاد وحارب من أجلها فكيف يرحل. ٧- اختلق وقائق ممسرحة واستدع الشهود: أي أن تردّد أن تحالفاً شيطانياً أمريكياً إسرائيلياً قطرياً يتربّص بنظام بلدك لإسقاطه، وأن هذه هي حقيقة الثورة وهذا ما يقوله شهود عيان من قلب ميدان التحرير. ٨: ضع ما تريد على ألسنة المشاهير: أي أن تستغلّ شهرة ممثلين ورياضيين لتضليل المشاهدين وإقناعهم بالكذبة التي تصنعها وتروّج لها. ٩: بدل مواقعك حين تستشعر الخطر: أي أن تنقلب لثوريّ بين ليلة وضحاها حين ترى أن النظام راحل وساقط، ثم تميل بكامل ثقلك إلى «ثورتنا» التي نجحت بإسقاط «النظام القمعي».

هي المراحل التي مرّت بها معظم وسائل الإعلام المصرية خلال الأيام القليلة من ثورة يناير حتى سقوط النظام، أو بالأحرى حتى إزاحة حسني مبارك عن الحكم لأن نظامه كما يبدو ما يزال قائماً بل في طريقه للعودة إلى سابق عهده بفضل كل من الإخوان والعسكر في مصر.

الإعلام ذاته والأوجه ذاتها والتلفيق ذاته والنفاق ذاته، وذيل الكلب أعوج وسيبقى أعوج، وقانون طوارئ وملاحقات أمنية ومبارك خارج القفص ومرسي داخله والبرادعي في النمسا ودار الدوري ع الداير يا ستّ الدار وحامل هالقصة وداير داير من دار.

الزاوية الأسبوعية في «القدس العربي»

sowaralkatla3456

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s