سياسة
اكتب تعليقُا

اسألوا فلسطينيين كهؤلاء عن الثورة

 لعلّ شعبنا الفلسطيني، بفصائله، أكثر الشعوب التي أصابتها الثورة السورية بالإرباك. إرباك أحدثته مواقف الفصائل الفلسطينية من الثورة، وقبل ذلك تاريخ هذه الفصائل وعلاقاتها المرضيّة مع نظام حافظ الأسد الذي لم يألُ جهداً في احتواء قضية هذا الشعب، فنجح بقدر ولاء بعض الفصائل له، وفشل بقدر عداوته مع ياسر عرفات تحديداً.

الحديث هنا عن الفصائل بمعزل عن الشعب بصفته العامة، أي عن قواعد وقيادات أهم القوى السياسية، والتي يمكن تقسيمها إلى فتح، حماس، الجبهتين الشعبية والديمقراطية، ثم الفصائل الثلاثة التابعة تماماً وتاريخياً للأسد، إضافة لتنظيمات جهويّة. لكل من قيادات هذه الفصائل موقفها المحدّد بتناقضاته الخاصة، ولكل من هذه القيادات قواعد تابعة تبرّر هذه المواقف بمعزل عن مدى أخلاقيتها.

فتح

حركة فتح، التنظيم الفلسطيني الأكبر، المحسوبة على النظام العربي الرسمي والتي لا تقل سوءاً عن أي من أنظمة مبارك وبن علي المخلوعَين، هي من ناحية نظرية حركة تحرير وطني فلسطيني كانت يوماً من بين التنظيمات الثورية الأكثر جاذبية في هذا العالم، من ناحية أخرى هي حزب سلطة يتمتع بكل مساوئ هذه المكانة عربياً، من ممارسات ممنهجة في قمع الحريات إلى الاعتقالات والتعذيب والابتزاز مروراً بالفساد والمحسوبيات، وعلى مستوى متقدم عالمياً، إضافة إلى استحداثها طبقتها الخاصة اجتماعياً مدمِجة بين رجال السياسة الانتهازيين ورجال الأعمال الجشعين.

حركة فتح إذن أقرب إلى أي من أحزاب السلطة في بلدان الثورات العربية، لكنها اختارت أن تكون حذرة تجاه ثورات هذه البلاد، فلا تؤيد مطالب الشعوب في العدالة والحرية من جهة، ولا تؤيد جهراً قمعية الأنظمة الساقطة، وتحديداً نظام مبارك أبُ السلطة الفلسطينية وفتح. وكذلك بخصوص الثورة السورية ونظام حزب البعث الذي تفوّق عالمياً وتاريخياً -وكماً ونوعاً- بقدراته القمعية الدموية التي لا يتردد في استهلاكها حتى أقصاها، التزمت فتح الحذر والسكوت.

قد تكون هذه فتح كموقف رسمي، لكن الكثير من كوادرها وأنصارها لن ينسوا تلك العداوة الموسمية بين زعيمهم التاريخي أبو عمار وبين دكتاتور سوريا حافظ الأسد ثم ابنه بشار، ما انعكس على مواقفهم فجاءت بمجملها مؤيدة للثورة، لولا بعض التدخّلات الحديثة نسبياً على تكوين موقفهم، أتكلّم عن موقف النظام القطري المناهض للأسد -وله أسبابه- وموقفهم غير الودّي بتاتاً تجاه النظام القطري الذي كان -ولا يزال على الأغلب- أحد رعاة الفصيل اللدود لفتح، حماس. فنجد بالتالي من أبناء فتح من يؤيّد الأسد نكاية في حماس وراعيها قطر وموقف كليهما من النظام عينه.

أبناء الجيل الحالي من فتح كبروا على اتفاقات سلام هزلية وعلى قادة كأبو مازن وصائب عريقات وأبو علاء قريع ومحمد دحلان وآخرين يمثلون أسوأ ما يمكن أن يكبر عليه أبناء تنظيم هو وريث أساسي (شكلي ومشوه) لثورة أقامها شعب على مدى سنين. هنا أسأل: هل الموقف المؤيد -وإن بخجل- للثورة في سوريا لدى بعض أبناء فتح آت من موقف إنساني عام، أم أخلاقي تجاه ثورات الشعوب وتحديداً شقيقهم السوري الذي قدم للثورة الفلسطينية ما لم يقدمه غيره، أم لنقمة قديمة جديدة يحفظونها في قلوبهم تجاه النظام السوري بأسدَيه؟ لا يحمل الجيل الحالي من أبناء فتح تلك الروح الثورية التي حملتها أجيال سابقة، لا يحملونها لقضيتهم، وحالهم في عاصمتهم رام الله يحكي ذلك، فكيف يحملونها لقضيةٍ غيرها، إن افترضنا شكلياً أن هنالك حدوداً فاصلة بين القضيتين؟

حماس

نترك فتح ذات التأثير الأكبر والبائس على الساحة الفلسطينية لننتقل إلى حركة حماس، العدو في أكثر من مرحلة في تاريخ شعبنا، لحركة فتح. حماس كانت التنظيم المدلل للنظام السوري، النظام البعثي الأمني (العلوي سياسياً)، أقول ذلك كون حماس التنظيم الإخواني (السني سياسياً).

كانت الحركة رأس حربة محور (إقرأ: كذبة) «الممانعة» التي كانت دمشق حاضنته السياسية. في السنة الثانية للثورة انقلبت حماس على النظام، للقادة حساباتهم السياسية، قد لا نعرف منها إلا القليل، أما ما أراه فهو أن قيادة حماس انحازت لقواعدها المتدينة بتشدّد، سياسياً وفكرياً واجتماعياً، ما يتناقض مبدئياً مع النظام السوري صاحب العداوة التاريخية مع التنظيم السوري للإخوان المسلمين، فانحازت قيادات حماس لقواعدها كما انحازت وعادت لعقليتها الإسلامية/السنية وتراثهم الإخواني، ولن أصدق ما قاله خالد مشعل بأن النظام السوري وقف مع حماس في الحق ولن نقف (كحماس) معه في الباطل. بعد سنين أُقعدت فيها حماس في حضن النظام البعثي مستثيرة غيرةَ بقية الفصائل واليسار منها تحديداً، أسأل: هل كان موقف الحركة، قيادة وقواعد، مؤيداً للثورة السورية لأنهم مقتنعين بحرية الشعوب وبعدالة هذه الثورة، أم لحسابات طائفية -واستقطابات سياسية- طفت على السطح بعد أن طفا الطابع الإسلامي للثورة؟

اليسار

من حماس ننتقل إلى اليسار الفلسطيني بتنظيميه الأساسيين، الجبهتين الشعبية والديمقراطية. التنظيمان، أسوة باليسار الرسمي صاحب التراث الستاليني عربياً وعالمياً، لا يكتفيان بتأييد النظام، بل ويبرران جرائمه بحق ثورة الشعب السوري ومظاهراته السلمية، وبحق الكتائب المسلحة التي شكلها هذا الشعب دفاعاً عن ذاته بعد أن عجزت سلمية مظاهراته عن ردع ذخيرة الجيش السوري وقوات الأمن هناك.

تتخذ الجبهتان موقفهما في تناسق تام مع مواقفهما من دكتاتوريات أخرى أكثر ما ميزها كانت جرائمها تجاه شعوبها، من ستالين إلى ميلوسوفيتش إلى الصين وكوريا الشمالية مروراً بجميع الأنظمة الشيوعية التي موّلت اليسار العربي بما فيه الجبهتين، دون أن ننسى رعاية صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي «الكريمة» للجبهتين الشعبية والديمقراطية، مادياً وبمراحل متفاوتت، كما أن لقيادات هذه التنظيمات رؤوس خدّرتها فكرة الحزب الثوري والنظرية الثورية التي حالت بين هذه الرؤوس وبين فكرة الثورة العفوية التي يطلقها ويقودها الشعب لا القائد الخالد ولا الحزب الطليعي. والآن بعد كل هذا الزمن الذي مرّ على الثورة، يمكن القول بأن الجبهة الشعبية (تحديداً) قد أصبحت شريكاً سياسياً للأسد في جرائمه دون أن تخجل قياداتها وقواعدها من الجهر بذلك، وهو ما أطاح بكل الرصيد التاريخي الذي بنته الجبهة في موقفها المعنيّ بالقضية الفلسطينية.

وغيرها

ننهي بمرور سريع على تنظيمات لم تتعدّ كونها فروعاً أمنية للنظام السوري تنخر في الجسم الفلسطيني من الداخل، هنا أتكلم عن الصاعقة وهو التنظيم الفلسطيني في حزب البعث، والجبهة الشعبية-القيادة العامة وهو تنظيم أحمد جبريل الذي يجرم بحق الفلسطينيين في مخيم اليرموك وغيره، وحركة فتح-الانتفاضة التي مثّلت في الثمانينات ما تمثله جبهة أحمد جبريل الآن. ما تتميز به هذه التنظيمات عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية أن الأخيرتين -وتحديداً الشعبية- تكتفيان بموقف سياسي وبتبرير جرائم النظام تجاه الشعبين السوري والفلسطيني في سوريا، وأن التنظيمات الثلاثة هذه -لستُ أكيداً بشأن فتح الانتفاضة الآن- وتحديداً جبهة جبريل، تشارك النظام عملياته الإجرامية على الأرض، وأن للجبهتين قواعد تتبع قياداتها في مواقفها السياسية، وللتنظيمات الثلاثة مرتزقة يقبضون مقابل خدماتهم.

الشباب

هذه إذن مواقف فتح وحماس والجبهتين الشعبية والديمقراطية وثلاث تنظيمات مرتزقة. وهم بمجملهم يمثلون قدراً لا بأس به من الشعب الفلسطيني، بعضهم يؤيد الثورة وبعضهم يؤيد قامعها، ولكلٍ منهم أسبابٌ قد لا نعرف منها إلا القليل. لكن ماذا عن الشباب، عن الحراك المدني، عن الفئة الفاعلة في المجتمع الفلسطيني (في الوطن والمخيمات والشتات) والناشطة فيه سياسياً واجتماعياً وثقافياً؟ الفئة التي لم تعد تُلحق موقفها السياسي بتنظيمات شاخت وما يزال قادتها “التاريخيين” متشبثين بكراسيهم في المكاتب السياسية واللجان المركزية؟ الفئات ذاتها التي أشعلت الثورات في كل من تونس ومصر وسوريا، ماذا عن هذه الفئات في المجتمعات الفلسطينية؟

ماذا عن المثقفين الذين تحرروا من تعميمات الأحزاب التي تحول “الديمقراطية المركزية” دون الخروج عنها إلا انحرافاً فكرياً؟!

لست هنا أقدم شعباً فلسطينياً ينكر الثورة على غيره ولا أقول بأن الفلسطينيين إن أيدوا الثورة السورية فلأسباب تخص عداوة زعيمهم مع الأسد أو أخرى طائفية، بل أحكي هنا عن الإفلاس الأخلاقي والسياسي للتنظيمات الفلسطينية ممثلة بقياداتها، تنظيمات تشكّل عبئاً على شعبها الذي بات ينفر منها، تنظيمات تحتاج هي نفسها ثورات داخلية. بل أسلوب الحياة السياسية الفلسطيني برمّته يحتاج ثورات تستحدث أحزاباً جديدة وحركات شبابية تشبه هذا الزمن، تشبه هذه الثورات التي أشعلها الشعب لا الأحزاب، حركات تشبه المجتمع والفاعلين فيه، الناشطين الشباب غير المحكومين بقرارات «ختايرة» أحزابهم الأبديين، وهذه هي الأكثرية الآن، هذه الأكثرية الفاعلة وهي وحدها القادرة على إحداث ثورة على النظام السياسي الفلسطيني الرسمي (فتح في الضفة وحماس في غزة) وعلى النظام السياسي الفصائلي ولوثات الجبهة الشعبية، وحتماً النظام الاحتلالي في انتفاضة إن اندلعت سيطال لهيبها هذه الفصائل، اسألوا هذه الفئة من الفلسطينيين عن الثورة السورية.

الصورة في سوريا (أعزاز) لا فلسطين

في مجلة أوراق  الصادرة عن رابطة الكتّاب السوريين

awraq1

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s