سياسة
تعليقان 2

ساعةَ اجتمعت قناة الميادين والجبهة الشعبية. مأساة الفلسطينيين واليساريين منهم تحديداً

كانت ساعة في قمّة الثورية، جمعت قناةَ الميادين من جهة والجبهتين «الشعبية» و «الديمقراطية» من جهة أخرى. الحلقة التي أدارها الإعلامي سامي كليب في برنامج «لعبة الأمم»، مستضيفاً القياديّين مروان عبد العال عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقيس عبد الكريم (أبو ليلى) نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. التقت هذه القامات الثورية الثلاث في حلقة حول «اليسار الفلسطيني: تاريخ طويل ودور ضئيل» وموقف هذا اليسار مما يحصل الآن من مفاوضات تخوضها السلطة الفلسطينية، هذا عنوان وموضوع الحلقة بالعلن (اقرأوه مرّة أخرى بالله)، إلا أن أسئلة استدراكية لسامي كليب، كان لها رأي آخر في كيفية توجيه الحوار.

سأحاول ألا أدخل في الشأن السياسي قدر الإمكان، قضيتي هنا إعلامية. لن أتناول موقف «الجبهة الشعبية» السياسي، بالتالي لن أعلّق على الأجوبة التي أفادنا بها الرفيق مروان عبد العال (سأحاول ذلك)، وهو صديق أكنّ له كل الاحترام دون أن يلطّف ذلك من آرائي النقدية في هذه الأسطر وغيرها. وأي قيادي من «الجبهة» عينها سيفيدنا بأجوبة مروان ذاتها لأن «رفيقنا» لا يمثّل نفسه هنا بل أتى ليمثّل التنظيم المتهاوي بين الفلسطينيين.

أما لماذا لا أتكلّم هنا عن ممثل «الجبهة الديمقراطية» أبو ليلى وأركّز على الآخر، فذلك لأنه كان واضحاً أن الحلقة أُعدّت لممثل «الجبهة الشعبية» ليحكي ما سيحكيه. والحلقة برمّتها وتحت حجّة وعنوان «تاريخ اليسار ودوره» (وهو عنوان فضفاض جداً ومضلّل) الذي انطلق منه سامي كليب في أسئلته التي لن تهمّني الإجابات عليها بقدر ما تهمّني الأسئلة ذاتها، الحلقة برمّتها معدّة لإجابات عبد العال عن أسئلة محدّدة سيحاول كليب إظهارها كاستدراكية وعفويّة.

بدأ سامي كليب الحلقة بسؤال مروان عبد العال عن تمثيل «الجبهة» من الشعب الفلسطيني فردّ بأنه لا يمكن إعطاء أرقام، أعاد كليب طرح سؤاله فردّ مروان مستنكراً بأننا دائماً نسأل عن الأكبر لكن لمَ لا نسأل عن الأفضل؟ هنا أمسكتُ قلماً وورقة، أو فعلياً فتحت صفحة بيضاء على شاشة اللابتوب لأدوّن ملاحظات، كانت إجابة مروان الأولى (السقطة الأولى) إشارة إلى إرباك قد يتكرّر حين يسأل كليب عمّا أنتظره، عمّا يمكن أن يتوّج هذه القمّة الثورية، أسئلته عن إيران وسوريا وحزب الله. سأحزر وسيسأله.

قبل أيام بالمناسبة استضاف أحد برامج «الميادين» في «يوم القدس العالمي» مسؤول «الجبهة الشعبية» في الخارج، «الرفيق» ماهر الطاهر، وكانت الحلقة عن إيران والخميني أكثر مما هي عن القدس، وكان أداء ممثل «الجبهة» (الماركسي ع أساس) «الرفيق» الطاهر بارعاً في تحويل مدينة القدس إلى إيرانية خمينية على هذه القناة. و«الميادين» المتيّمة بالنظام الإيراني الديني/الطائفي من جهة والظاهرة لنا بشكلها العلماني (البرتقالي) من جهة أخرى، لن تترك فرصة تُظهر فيها ربطاً بين إيران وبين العلمانية تجمعهما «المقاومة»، ويا حبّذا لو كانت فلسطينية، لن تترك فرصة كهذه إلا وتنتهز سماواتها كلّها.

أي متابع يعرف مواقف «الجبهة الشعبية» المؤيدة للنظام السوري، كالكثير من اليسار العربي الكلاسيكي. وعبد العال لم يكن يملك إلا أن يقول ما نعرفه بما يخصّ علاقة «الجبهة» المريبة والمعيبة بإيران وسوريا، وكان صادقاً فيما قاله، إلا أن أسئلة مقدّم البرنامج وضعته في حالة إرباك، وهي أسئلة بدت استدراكية ربّما كي لا يفهم الضيف أنها ضمن الأسئلة المُحضّر لها وربّما لأنه أُخبر بأن الحلقة ستدور حول «تاريخ اليسار ودوره» وحسب وربّما لأنه طلب من القناة ذلك بشكل مباشر

نرجع لقمّة الترويكا الثورية (الميادين والشعبية والديمقراطية)، في استدراك متعمّد ومُعدّ له مسبقاً (واضحة ولو) حاول سامي كليب إظهاره كأنه سؤال لم يُكتب على الورقة أصلاً، سؤال تبادر لذهنه بكل عفويّه فلم يكتمه (يا حرام) فيما كانوا يتحدّثون عن تاريخ اليسار، سأل: أنت قلت في حفل إفطار السفارة الإيرانية في يوم القدس العالمي…(استدرك دغري!) علاقتكم جيدة بإيران بالمناسبة؟ (حزرت..) هكذا يقفز السائل إلى ما يريد أن يسمع إجابته، أتت إجابة عبد العال بصوت خافت وخجول (لا ألومه) وقد بوغت: أكيد. سأل: تموّلكم إيران؟ أجاب: تمويل لأ، في دعم وسند و.. هذا يكفي. سأل: شو دعم؟ خطابات؟ أجاب: لأ، دعم على كل المستويات. سأل معلّقاً: مستويات يعني في تمويل. ظلّ عبد العال ساكتاً أمال رأسه دون أي كلمة ثم أجاب: يعني هذه مسائل بعتقد إنو… سأل كليب: سرية؟ أجاب عبد العال: بالتأكيد. هنا حصل السائل على ما يريد، المعلومة بشكلها الأوّلي، التقطها ليصيغ تأسيساً عليها رسالتَه للمشاهد وعلّق: طيب.. لأ لإنو مهم يعني… حركة شعبية ماركسية تُدعم من قبل إيران. هكذا طرحها كليب بكلّ وضوح في حال لم يفهمها المشاهد من أجوبة عبد العال المرتبكة.

بعد أن حصل كليب على ما أراده وأعاد تلخيصه للمشاهد واطمأن، أعاد الحوار إلى حيث يُفترض أن يكون، إلى تاريخ اليسار (ع مين عم تضّحكوا؟)، ثم ومن خلال الكلام عن الدور العسكري للجبهة الذي سأل عنه كليب، كان من بين ما قاله عبد العال: نحن أول من أطلق الكورنيت في حرب غزة الأخيرة. هذا ممسك آخر لن يفلته كليب الذي ردّ فوراً: أنتم؟ وأضاف سؤالاً مع ضحكة منتصرٍ (ظافرٍ أحلى): ومن أين جاء الكورنيت؟ ارتبك عبد العال ثانية (يحرق أخت هالعلقة) وأجاب حرفياً: قلت وبرضه أنا في كلمة واسعة قلت (هنا انفعل) أننا نبوس الأيدي التي أرسلت الكورنيت (تكبييييير)، لا ننكر، نحن أوفياء ونحن نعي من هي قوى الثورة ومن هو العدو. هذا سؤال الجبهة الشعبية من الـ ٦٩ (يحاول عبد العال أن يرجع بسامي كليب إلى «تاريخ اليسار» موضوع حلقته).

نفهم إذن من «الرفيق» أن قوى الثورة هي إيران وسوريا وحزب الله وأن العدو هو الشعب السوري وفلسطينيو المخيمات؟ أين تقاتل الآن قوى الثورة الثلاث هذه؟ عن أي ثورة وقواها يتحدّث غير عن ثورة الخميني وثورة الثامن من آذار (انقلاب حزب البعث)؟ على كل حال قلتُ لن أعلّق على الأجوبة. بعد هذه الإجابة العرمرية (المنعجقة بحالها) علّق كليب موضّحاً للمشاهد هويّة هذه الأيدي المُباسة في حال غابت عن باله: الكورنيت ما في غير عند إيران وتمر عبر سوريا. كم يحبّ كليب توضيح المعلومة للمشاهد.

هل يبوسون في «الجبهة» إذن أيادي أحمدي نجاد والأسد الملطّخة بدماء رفاقهم وأهلهم في المخيمات وفي كلّ سوريا؟!)

يمرّون في حديثهم على القضية الفلسطينية ودور اليسار (كرمال عنوان الحلقة ع القليلة) ثم يعود كليب بالحوار إلى موضوعه الأساسي، لا المُعلَن عنه، من دون أي مقدّمات ومباغِتاً مجدّداً يسأل: لا تزال سوريا تدعم الجبهة الشعبية؟ أجاب مروان: بتعرف إنو سوريا إلها مكانتها وإلها دورها وإلها موقعها في مجال الصراع لا أعتقد إنو في حدا بغفله، هي دولة مواجهة. سأل: وبقيت العلاقة نفسها؟ أجاب: بالتأكيد، الجبهة لم تتصدع علاقتها بأي.. لا بسوريا ولا بإيران ولا بأي تحالف. (بالمناسبة أنقل الأسئلة والأجوبة حرفياً)

يعودون إلى موضوع الحلقة يتحدّثون حوله ثم يباغت كليبُ مروانَ سائلاً: العلاقة مع حزب الله جيدة؟ أجاب: بالتأكيد بالتأكيد.. كل المقاومة هي.. في خندق واحد وسند واحد لا شك بدناش نطلق أسماء الآن ولكن… ترك الأجابة هكذا وعاد لموضوع الحوار.

أي متابع يعرف مواقف «الجبهة الشعبية» المؤيدة للنظام السوري، كالكثير من اليسار العربي الكلاسيكي. وعبد العال لم يكن يملك إلا أن يقول ما نعرفه بما يخصّ علاقة «الجبهة» المريبة والمعيبة بإيران وسوريا، وكان صادقاً فيما قاله، إلا أن أسئلة مقدّم البرنامج وضعته في حالة إرباك، وهي أسئلة بدت استدراكية ربّما كي لا يفهم الضيف أنها ضمن الأسئلة المُحضّر لها وربّما لأنه أُخبر بأن الحلقة ستدور حول «تاريخ اليسار ودوره» وحسب وربّما لأنه طلب من القناة ذلك بشكل مباشر. كل الاحتمالات واردة ويدعمها الأداء التمثيلي غير المقنع لسامي كليب في طرح هذه الأسئلة والإرباك العفوي لعبد العال الذي كما سبق وقلت، أتى للبرنامج بصفته التمثيلية لا الشخصية.

انتهت الحلقة وحصلت «الميادين» على الأجوبة التي تريدها. وفي الدقائق الأخيرة من الحلقة قال كليب بأن : الجبهة الشعبية-القيادة العامة (التنظيم التابع لأحمد جبريل) أغفلنا الحديث عنها في هذه الحلقة، هي تستحق حلقة خاصة بها. طبعاً كليب على حق للسبب ذاته الذي أتى بممثل «الشعبية» إلى هذه الحلقة. «جبهة أحمد جبريل» تستحق حلقة خاصة وحدها، لا لأن دورها في النضال داخل الأرض المحتلة يفوق دور «الشعبية» و «الديمقراطية» (يساوي صفراً)، بل وبكل وضوح لأن دورها في القتال إلى جانب النظام السوري هو دور استثنائي. «جبهة أحمد جبريل» استحقت هذه المكانة في هذا البرنامج لأنها لم تكتف بمواقف سياسية مؤيدة للنظام السوري كـ «الجبهة الشعبية»، بل لأنها شاركت إلى جانب قوّات النظام في قتل فلسطينيين وسوريين في مخيم اليرموك.

الحديث كلّه يدور حول النظام السوري إذن. هكذا يكون إعلامٌ ما ممانعاً، أو لا يكون.

في القدس العربي

alquds-almayadeen345

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

2 Comments

  1. سامي says

    أضحكني الموضوع. فعلا اكتشفت كاتبا ذا خيال من طراز رفيع . شكرا على لحظات الفرح التي اهديتني إياها. ضحكت من أعماق قلبي وانا اقرا كيف اني خططت للحلقة وكيف قررت ان اوظفها لمحور الممانعة. وضحكت اكثر حين قرات ان الزميل الكاتب هو فلسطيني وليس إسرائيليا. لو كان إسرائيليا لفهمت انزعاجه. ولكن لله في خلقه شؤون. والله يا اخي معيب ما كتبت. اتق الله يا رجل .

    إعجاب

    • الميادين: انتقدنا لتكون إسرائيليا ما لم يثبت خلاف ذلك (ما هو خلاف ذلك؟). شكرا على تعليق كهذا.

      إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s