سياسة
اكتب تعليقُا

وطن ع وتر. دليل فض الاعتصامات. الكرواسان حرام شرعاً

 وطن ع وتر 

باستثناء أهلنا في الضفة وغزة، قد لا يتابع الكثر من العرب برنامج «وطن ع وتر» الساخر. عُرض موسمه الأول على قناة «فلسطين» الرسمية، وكان ناجحاً بعدة معايير أهمها السقف المرتفع نسبياً للنقد الساخر الترفيهي الذي لم يكن مألوفاً بين الفلسطينيين في الضفة وغزّة في حينها وحتى الآن.

كان للبرنامج بداية موفقة، ثم تم التضييق عليه بموسمه الأول من قِبل السلطة الفلسطينية بشكل أساسي، ثم من قِبل تنظيم معارض ينادي بالحريات (أحد ادّعاءاته الفشنك) هو «الجبهة الشعبية»، وذلك لحلقة ساخرة تناول فيها البرنامج ذلك التنظيم فجعل الأخيرُ البرنامجَ على رأس قضاياه النضالية!

أما الموسم الجديد والذي تعرضه قناة «الفلسطينية» الخاصة، فقد سجّل هبوطاً حاداً للبرنامج ومواضيعه وأسلوب تناول هذه المواضيع، كنتيجة لـ «قرصة أذن» لفريق البرنامج ومعدّه وممثله الرئيسي عماد فراجين الذي حاول جاهداً الابتعاد عن السياسة وإرضاء المُشاهد باسكتشات ساخرة لممارسات اجتماعية محلّية (فيها كل الأسباب للسخرية ع كل حال)، يضيف لها تعريجة على السياسة بين حلقة وأخرى، حفظاً لماء الوجه.

الضغوطات الممارسة على البرنامج تتضح معالمها من خلال الموسم المعروض حالياً في رمضان، لا أعرف طبيعتها ولا أعرف أطرافها المباشرين لكني أعرف تماماً أن تأثيراتها ظاهرة على البرنامج الذي باتت تتّسم معظم حلقاته بالتفاهة، رغم خفّة دم فراجين.

في حلقة بعنوان «ماذا لو كان باسم يوسف فلسطينيناً» قارن فراجين بسخرية بين وزيرة التربية والتعليم الفلسطينية لميس العلمي وبين نظيرتها في بلجيكا (الشقراء البيضاء الزرقاء الهيفاء السيمباتيك) ساخراً من الفروق بين السيدتين على أساس.. (أو بلاها)، ثم نراه يبدأ بالكلام عن الرئيس محمود عباس (بلا صغرة) فتنقطع الكهرباء ثم «يُساق» باسم يوسف الفلسطيني الذي فكّر بالسخرية من الرئيس للتحقيق والشرشحة.

يأتينا ذلك في نقد ساخر لحال الحريات في فلسطين، وفي مقاربة (هي مفارقة) مقصودة بين حال الحريات فيها وهي من بين الأسوأ عربياً (وبالتالي عالمياً بالمناسبة) حسب تقرير «مراسلون بلا حدود» الأخير (تسبقها ١٤٥ دولة في الحريات الإعلامية) وبين حال الحريات في مصر ما بعد ثورة يناير.

نتكلّم عن برنامج ترفيهي ساخر، وبقليل من التناول الجدّي (لكن دون نكد) لموضوع الحريات ذاته، لا بدّ أن أوضّح بأن سقف الحريات في مصر بعد ثورة يناير قد ارتفع بمعدّلات قياسية، وإلى غيرِ رجعة (المفروض يعني)، لأن المصريين أقاموا ثورة وانتزعوا حرياتهم وذاقوا معنى أن يكونوا أحراراً، فلا يتخلّون عنها، والفضل في ذلك يعود لا لطراوة حكم الإخوان المسلمين (الشمولي القمعي ع فكرة) بل للشعب الذي أخضع ويخضع أي حاكم لاحترام هامش حرّيات، لا أقول هامش بل متن حريات لا يملك الحاكم إلا أن يحترمها مُكرهاً لا بطل (أي: وإجره فوق راسه). وما كان برنامج باسم يوسف إلا أحد تلك البرامج المعروضة على القنوات المصرية التي استفادت من متن الحريات الذي أهدته الثورة للإعلام المصري.

هنا أسأل: ألا يتوق شعبنا في فلسطين للحريات التي جلبتها معها ثورة يناير للمصريين، أم أن القمع (والقمع الذاتي) سيكون دائماً في البال ليحوّل سخريتنا إلى تفاهة؟

بالنهاية، كانت الحلقة ذكيّة ولذيذة وحذرة في إظهار الفرق بين حال شعبنا في فلسطين وبين حال أهلنا في مصر فيما يخص السخرية السياسية.

سنحتاج يوماً متن حرّية تتيح لـ «وطن ع وتر» وغيره أن ينطلق في تناوله الساخر سياسياً واجتماعياً، لأن السخرية الجميلة يمكن أن يحوّلها القمع السلطوي إلى تفاهة. يبدو أن التفاهة إحدى مخلّفات القمع، وهو ما تجرّه علينا السلطتان القمعيتان في الضفة وغزة.

دليل فضّ الاعتصامات 

بالحديث عن ثورة يناير والحريات والقمع، بالحديث تحديداً عن القمع الذي لا يكون أقصى تجلياته بغير القتل. وبالحديث عن «رِدّةٍ» عن ثورة يناير بركوب العسكر ثورة يونيو بما يشبه ركوب الإخوان ثورة يناير، وكذلك بالحديث عن التحريض المستمر الذي تبثّه قنوات مصرية من بينها «أون تي في»، فقد بثّت هذه القناة وفي برنامج «الجانب الآخر» ما قال مقدّمه بأنه مثال على كيفية فض دول العالم للاعتصامات، طارحاً مثالاً تحريضياً يحتذيه الجيش المصري ليفض على أساسه اعتصام الإخوان وأنصارهم في ساحة رابعة العدوية.

كان المثال هو الفيديو الذي انتشر واسعاً في أغسطس/آب ٢٠١٢ يوم أطلقت قوات الشرطة في جنوب أفريقيا النار على عمّال مناجم البلاتين المضربين والمسلّحين بالمعاول والفؤوس كما شاهد العالم أجمع، وقتلت حينها ٣٤ منهم.

قد نقول بأن رقماً كهذا ضئيل بالمقارنة مع بورصة القتل اليومي أو اللحظي على أيدي العسكر في سوريا مثلاً، أو الأسبوعي على أيدي العسكر في مصر مؤخراً، صحيح، لكن البجاحة في طرح الفيديو كمثال هو ما شاهدناه فيه من مواجهة مباشرة مع المضربين، ما استطاعت الكاميرا تصويره: عناصر شرطة متراصّون يوجّهون رشاشاتهم إلى المضربين المتجمّعين في المقابل منهم. خمسة أو ستة أمتار تفصل بين هؤلاء وأولائك كأنهم سيشتبكون بالأيدي، فجأة نسمع طلقات نار كثيفة (أُطلقت رشّاً لا دراكاً) فيغطّي المشهد للحظتين طبقةٌ من الأتربة المتطايرة، لتنكشف بعد ذلك العديد من الجثث الملقيّة على الأرض وبعضها ما يزال ينازع.

الخطورة في هذا الطرح اللامسؤول الذي شاهدناه على «أون تي في» يكمن في أن تحريضاً كهذا (إطلاق الرصاص في مقتل وعن مسافة قريبة) بات مقبولاً ويُطرح على الملأ في تمهيد للمشاهدين بتقبّل مشاهد كهذه تحصل في بلدهم وفي تمهيد للجيش للتحضير بالتالي لارتكاب مجزرة كهذه.

هل من سلوك يفوق ذلك التحريض إقصائية؟ وهل من سلوك يفوق فض اعتصام بالرّصاص قمعيّة؟ وبالتالي هل من رِدّة على ما انتزعته ثورة يناير من حريات أكثر من هذه؟ حذار!

الكرواسان حرام شرعاً 

يمكن لأحد ما أن يغض النظر عن حرية هنا أو أخرى هناك. إن كان لديه رأياً ما في السياسة يمكنه «بلعه»، وع الناشف، وهو بلعٌ للهواء على كل حال، أي «أكل هوا» كما نقول بالعامية. إذن، وعملياً، «أكل الهوا» هو السكوت عن إعلان رأي سياسي بعكس ما يعتقده كثيرون بأنه الكلام في السياسة، كأن يحكي أحدنا بالسياسة فيقمعه آخر مختلفٌ برأيه قائلا: «إيه حاج تاكل هوا».

المهم.. أتكلّم عن الأكل، عن الكرواسان تحديداً، وتحديداً أكثر حين يحول قمعٌ ما -ولأسباب دينية تاريخية- دون أكل هذه العجينة المخبوزة بكلّ رقّة وهشاشة تهفو لها الأفئدة.

في خبر بثّته قناة «الجديد» فقد أصدرت «الهيئة الشرعية» في حلب فتوى تحرّم تناول الكرواسان وذلك حسب «علماء» مسلمين، والقصة حسب الفتوى أنه: «لولا توقّف المسلمين العثمانيين على أبواب فيينا بمؤامرة من الدولة الصفوية لأصبح الآذان يؤذن من فوق أبراج كاتدرائية القديس بطرس (اشمعنى؟)، ومن بعدها كان خبز الكرواسان الذي يعني الهلال الإسلامي باللغة الفرنسية، يُصنع على هيئة هلال ليأكله الأوروبيون في أعيادهم ويفرحوا بالانتصار على المسلمين، وكان الهلال شعار دولة الخلافة الإسلامية. وتهيب الهيئة الشرعية في حلب بالابتعاد عن طعام الكفار والتبشه بهم في المأكل والملبس والتعويض عن الكرواسان بالفطائر العربية والإسلامية، والله من وراء القصد».

أسأل هؤلاء «الفايقين ورايقين»: قبل أن تصدروا فتواكم، هل ذقتم مثلاً الكرواسان الفرنسية المجبولة بالزبدة، تأكلونها كما يفعل أهل الجنوب هنا مغمّسة في القهوة بالحليب؟ ستوحّدون الخالق في حينها، اه بشرفي.

ما عساى أقول عن هذا البلاء الآتي إلى سوريا سوى ما كنّا نقوله مراراً هناك: الله لا كان جاب البلا!

تنويه 

هناك في سوريا من يحرّم أكل الكرواسان، لكن هناك، وفي المقابل، ودون أن ننسى، من يقصف المخابز لحظة احتشاد الجوعى على أبوابها.

 الزاوية الأسبوعية في «القدس العربي»

alquds-watan3a

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s