سياسة
اكتب تعليقُا

هذه مصر يا زلمة، دفاعاً عنها. حكمة باسم يوسف. الميادين وانتهاز الفرصة

 هذه مصر يا زلمة. دفاعاً عنها، لا عن الفلسطينيين والسوريين 

قبل الخوض في السعار العنصري الذي شاهدناه على بعض القنوات المصرية، أود التذكير بأمرين: أولهما أن مصر شعباً ووطناً تمثّل لي كما لعرب كثيرين الأخت الكبرى التي نقوى بقوّتها ونسقم بسقمها، الأخت التي تؤمّنا في أمور السياسة والإعلام والفن والأدب والصحافة وغيرها. وعلى صعيد شخصي أضيف أن ثورة ٢٥ يناير أعادت إليّ شعوري بالانتماء القومي لشعب واحد ممتدّ على أراضي هذا الوطن الشاسع. وأذْكر كم ردّدت لكثيرين أثناء الثورة «مبرّراً» حماستي بأنها مصر وأنها ليست كأي بلد عربي آخر، وأن ثورةً شعبية تحصل في مصر فيها من الخصوصية والحميمية لكل عربي وفلسطيني كما في ثورة شعبه وبلده، هذه مصر والثورة هناك أمر شخصيّ لديّ. ثاني الأمرين.. ليس هنالك ثانياً هذا كل ما أردت قوله.

آه صحيح.. ثانيهما كان تأكيدي -وأسمح لنفسي بالقيام بذلك نيابة عن أي مصري- على أن ما شاهدناه من سعار عنصري تحريضي على الفلسطينيين والسوريين اللاجئين في مصر والمقيمين فيها لا يمثّل إلا المتلفّظين بها وحفنة من مؤيدي النظام أخو الشلّيتة الذي أطاحت به ثورة يناير ولا تزال تطيح بتوابعه وانعكاساته الارتدادية كجماعة الإخوان.

أسمح لنفسي، كعربي، بأن آخذ دور مصري يغار على بلده وأقدّم اعتذاراً للفلسطينيين والسوريين، وأنا معنيّ بكليهما كوني ممن يُطلق عليهم «الفلسطيني السوري»، ثم أسمح لنفسي بأن أرجع لمكاني الأول كفلسطيني وأحكي للمصريين بأن كثيراً منّا يعلّق أي أمل في أي تفصيل يخص قضيّته، يعلّقه بالثورة المصرية قبل أي أمر آخر، بالثورة المدنية الشبابية السلمية، بل باستمرارية هذه الثورة وبنظام حكم يمثّلها لأن الثقة الأولى والأخيرة هي في الشعب وفي من يختاره هذا الشعب ليحكمه، فكيف بالحديث عن شعب مصر الذي يرسم باستمرارية ثورته مستقبلاً جديداً لمكانة العربي في العالم. أحد الأصدقاء الفرنسيين أرسل إلي قبل أسبوعين: أريد أن أقول لك بأن الشعب المصري عظيم. هنا كنتُ مصرياً وجاوبته على هذا الأساس، وأحببت ذلك.

على قنوات «التحرير» و «أون تي في» و «سي بي سي» وغيرها شاهدنا تلفّظات تحريضية تجاه الفلسطينيين والسوريين اللاجئين في مصر، بعضها وصل حد التحريض على القتل وجميعها عمّم أحكامه السطحية على كافة اللاجئين وإن حاولوا تلطيف بعض الملافظ بعد بثّ سمومهم، فبدوا كأنهم «يكسرون» السمّ بالماء، يوسف الحسيني ولميس الحديدي وزوجها عمرو أديب ومحمد الغيطي وآخرين لم يكبحوا جماح السعار الذي أطلقوه على الفضائيات وأمام ملايين المشاهدين، والحدّة التي تسارعت فجأة حين تقيؤوا عنصريتهم تلك على الشاشات تفيد بأنهم فعلاً يُخرجون ما في بطونهم، ما في أمعائهم الغليظة كعقولهم وعقل أي عنصري، ومصر أطهر من كلّ ذلك.

سأحكي عن أمر آخر، لن تهمّني محاولات هؤلاء لملمةَ المزيد من المشاهدين ودغدغة الغرائز القُطْرية وكسب المزيد من الشهرة وكل ذلك عبر القيء الذي طرطشونا به. بل أحكي عن مصر التي أحبها، عن مصر التي في قلب كل عربي. ليسوا هؤلاء روح الثورة المصرية كما ليس الإخوان، معظمهم إن لم يكن كلّهم ساندوا نظام أخو الشلّيتة حتى ما بعد ٢٥ يناير ٢٠١١، التاريخ الذي لم تكن الإخوان بدورها تعلم بأمر الثورة حتى.

لن يمسّ هؤلاء صورةَ مصر عند أي عربي، وفلسطيني تحديداً، مصر أكبر منهم، وثورتها أكبر من أن يغبّروا على صفائها. لا حاجة للدفاع عن الفلسطينيين والسوريين في مصر، هنالك حاجة للدفاع عن مصر من عنصريين كهؤلاء.

الطفرات العنصرية تظهر على السطح وتُلاحَظ أكثر من غيرها، وإن صدف أن ظهرت على إعلام بقوّة الإعلام المصري، زادت نسبة الجمهور المتلقّي لسمومها وزادت شدّة هذه السموم. قد نحدّد هنا خطرين: أولهما تأثير هذه السموم على مصريين فيكيلون نقمةً على الفلسطينيين والسوريين، وهذا ما لا يشكّل تخوّفاً جدّياً لديّ لأن المصري الذي يشاهد برامج كهذه من بيته أطيب وأذكى من أن يتسمّم بعنصريات غريبة على تربيته ومجتمعه. التخوّف الثاني هو أن يحمل فلسطينيون وسوريون هذه السموم في قلوبهم ويعمموها على المصريين ويلعنون الساعة التي لجأوا فيها إلى مصر ويتمنون مغادرة تلك البلاد في أقرب وقت وإلى غير رجعة وبذكرى سيئة ستدوم، وسيتعاطف معهم أبناء شعبيهم، هذا تخوّفي الجدّي ليس لأننا أقل طيبة وذكاء من المصريين، بل لأن غريزة القُطْرية ووساوس العنصرية المضادة (مُضافة على الأسى الذي يعيشه هؤلاء اللاجئون) ستجد مبرّرات لتطلّ برأسها.

أردت أن أحكي عن تحريض عنصري تبثّه بعض القنوات المصرية، أردت انتقادهم، فوجدتُي أحكي عن حبي لمصر والمصريّين، وجدتني أدافع عن مصر من أمثال هؤلاء، وجدتني أدافع عن صورة مصر في أذهان أهلي الفلسطينيين والسوريين، أحكي لهم: هاي مصر يا زلمة، إيش عمتحكي!

حكمة باسم يوسف

هذا الرجل الذي بات مؤشّراً تلقائياً إلى حيثما تكون «الحكمة الثورية» في مصر. الساخر الذي لم يترك تيّاراً إلا وانتقده وكان أشدّ حسماً وحزماً من أي منتقد آخر على الشاشات وتحديداً في «استلامه» للإخوان كونهم من كان في الحكم. يُعدّ برنامجه «البرنامج» بتأثيره «معادلاً موضوعياً» لظاهرة حركة «تمرّد» مؤخراً أو حركة «كفاية» ما قبل الثورة. هذا إعلام الثورة الذي ننتظره من دولة وشعب بحجم مصر، باسم انتقد في غير مناسبة التلفّظات العنصرية التي ظهرت على تلك الشاشات، وقارن -دون أن يساوي- بينها بما تحرّض به على اللاجئين كما على الإخوان وأنصارهم، وبين القنوات الدينية التي امتهنت -قبل إغلاقها- التحريض قياماً وقعوداً وعلى باسم أكثر من غيره. عنه سأكتب لاحقاً في هذه الزاوية، وعن برنامجه الثمرة الإعلامية الأنضج لهذا الربيع العربي الذي يصرّ المصريون على أن يظلّ ربيعاً.

تقرير لـ «الجزيرة»

دافعتُ في هذه الزاوية قبل أسبوعين عن إغلاق قنوات دينية مصرية لما فيها من تحريض على القتل وغيره، على أن يتم إعادة تأهيلها إعلامياً وأخلاقياً فتنال حقّها بالبث بعد «التوبة» عمّا تسبّب بإغلاقها. لن أقول الرأي ذاته في فضائيات التحريض «الليبرالي» على اللاجئين لأنها أولاً لم تصل لحالات الإبداع في التحريض الذي وصلته القنوات الدينية تلك، ثم أن التحريض كان ممارسة فردية وليس ممنهجاً مبثوثاً ليل نهار وبإسم الدين، فكان رأياً معيباً يخصّ صاحبه دون غيره.

لذلك لن أساوي هؤلاء بأولئك، وهي مساواة طرحها (كمفارقة) تقريرٌ لقناة «الجزيرة» تناول حملات التحريض العنصرية الجديدة. عدا عن هذا التفصيل، كان تقريراً محكماً وشاملاً تميّزَ عن معظم ما بثّته القنوات العربية في تناولها لمسألة التحريض تلك، وهو الذي أعدّه ماجد عبد الهادي، صاحب التقارير الأقوى فيما يخصّ الثورة السورية.

«الميادين» وانتهاز الفرصة

ما تزال حركة حماس تدفع ثمن «طلاقها» مع النظام السوري، على قناة «الميادين». منذ ٣٠ يونيو وحتى اللحظة قد لا يمرّ يوم دون المرور بحماس في سياق الحدث المصري. في أسلوب مفتعل يزجّ المقدّم -مقدّم أي برنامج في القناة على فكرة- بحركة حماس عبر إحدى تلك الأسئلة الخبيثة التي تثير الشفقة لاعتقاد المقدّم أنه مرّرها بسلام استهباليّ على مشاهدين باخت عندهم خباثة كهذه لكثر ما استُهلكت على هذه القناة.

المهم.. أحياناً -فعلياً: غالباً- الضيف الكريم يلطش حماسَ في تنويه ادّعائي مطوّل -يظلّ تنويهاً!- بمشاركتها في مظاهرات الإخوان واعتصاماتهم. ما هذه الصدفة التي لملمت معظم ضيوف «الميادين» ليُجمعوا على انتقاد حماس بل وللتبلّي عليها، ويظهروا كل ذلك على هذه الشاشة؟ هي صدفة أم استرضاء ذكي من الضيوف للقناة أم هي إشعار من القناة عينها وتحت الهواء؟ ألم يسأل أحدهم عن المساحة التي يمكن أن يملؤها جميع أهالي قطاع غزة في أي شارع فرعي في أي من أحياء القاهرة؟ ثم ألم يسأل عن شعبيّة حماس في غزّة وبالتالي يسأل عن الطوابق التي يمكن أن يملؤها جميع حمساويو غزة في أي بناية من بنايات القاهرة؟ انتقدتُ حماس كثيراً ولا تُعجبني في شيء، إلا أني لم أقبل تلك المراهَقة الإعلامية التي زجّت بالحركة (وتعميماً بالفلسطينيين) وفقط لحسابات هذه القناة وأجندتها السياسية. ماذا لو أن حماس لم تُحرج النظام السوري بذلك «الطلاق»، أو «الخلع»؟ هل تكون حينها تلك الحركة المنشغلة في المقاومة والتي نفى قادتها أي تدخّلات في مصر، على قناة الميادين؟

الزاوية الأسبوعية في «القدس العربي»

alquds-hazihi

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s