سياسة
اكتب تعليقُا

تلفزيونات مع الثورة هنا وضدّها هناك. سافرات متبرّجات. خطاب بديع. إغلاق القنوات الدينية

 تلفزيونات مع الثورة هنا وضدّها هناك

خلال الأيام القليلة الماضية وفي تغطية القنوات الإخبارية الرئيسية للثورة المصرية التي استأنفها الشعب في ٣٠ يونيو، نلاحظ انحيازات فضائحية لجميعها دون استثناء، اتفقنا مع موقفها من الثورة والإخوان ومرسي أم اختلفنا. للقنوات هذه رؤوس أموال ضخمة، معظمها مموّل من أنظمة عربية، منها ما تشعرك أن لا حدود لتمويلها، وبالتالي لا حدود لتبنّيها الموقف الرسمي لهذا النظام أو ذاك (هذا إن لم تتعدّ العلاقة بينهما مسألة التمويل). لم يعد ذلك سراً، صحيح، لكن كلّما مرّت المنطقة العربية باستقطاب حاد سياسياً تجلبه معها ثورةٌ أو حربٌ في بلادنا العربية، وهي حالة أزمة، تتكشّف لنا الطبيعة الغريزية والعفوية لجميع هذه القنوات ( كلٌّ حسب نظامه). هي إذن مصالح سياسية لأنظمة تختلف وتتفق بشأن ثورات شعوب هذه البلاد وتسيّر جميع أجهزتها الإعلامية في حرب «فضائية» تكون دائماً «فضائحية».

نستلمها واحدة واحدة وحسب ما تبثّه كل قناة وكيف تبثّه: خالتهم جميعاً «الجزيرة» تؤيد الثورة في سوريا، تحديداً تنظيمَ الإخوان السوري والجماعات الإسلامية هناك، وكذلك النظامَ الإخواني في مصر في مواجهة استمرارية الثورة هذه الأيام وفي توافق تام مع مواقف النظام القطري. «العربية» تؤيد الثورة السورية وكذلك استمرارية الثورة المصرية ضد الإخوان وقد دافعت بشراسة عن نظام مبارك وفي توافق تام مع مواقف النظام السعودي. «سكاي نيوز عربية» متحفّظة وحذرة في تأييدها للثورة في سوريا بسبب الإخوان وتؤيد استمرارية الثورة في مصر بسبب الإخوان كذلك وفي توافق تام مع مواقف البلد الذي تبث منه، الإمارات. «بي بي سي» «وفرانس ٢٤» تحاولان التميّز بموضوعية لا تعرف حدّه الأدنى تلك القنوات، وإن كانت الأولى تابعة «للنظام الإنجليزي» والثانية «للنظام الفرنسي». آه كدت أنسى، «الميادين» التمثيل الإعلامي لنفوذ النظام السوري في لبنان، وجدتْ ضالتها في استمرارية الثورة ضد الإخوان في مصر، بعد أن ظنّت أنها وجدته في تركيا، وكأنها تبحث عن مخرج أخلاقي لما أوقعت نفسها به منذ تأسيسها.

أسأل: أي مصداقية لتأييد «الجزيرة» لثورة الشعب المصري ضد نظام مبارك ومناهضة القناة إعلامياً لاستمرارية هذه الثورة طالما أنها تشتعل في وجه نظام الإخوان (ابحث عن قطر)؟ أي مصداقية لتأييد «العربية» لاستمرارية ثورة الشعب المصري الآن ومناهضة القناة إعلامياً لثورته حين اشتعلت في وجه نظام مبارك (ابحث عن السعودية)؟ ثم أي صدفة تجمع وبهذا الشكل الكرنفالي احتفاء «العربية» و«سكاي نيوز عربية» باستمرارية الثورة المصرية وإسقاط نظام الإخوان؟ أي صدفة تجمع موقف القناتين مع الموقف الحاسم لنظامَي السعودية والإمارات تجاه جماعة الإخوان ونظامها؟ كيف نفهم «الزفّة» المفتعلة والمبالغ فيها لقناة «الميادين» بإسقاط مرسي كأن الشعب المصري ما خلع مرسي إلا لينصّب بشّار الأسد مكانه؟ في وحدة جديدة بين البلدين ربما.

لعلّ لا جديد في ذلك، لكن الأمر ظهر وبشكله الفاضح عند كل هذه القنوات، كيف نصدّق موقفاً سياسياً لقناة نعرف تماماً أنها لا تملك أن تختار غيره كونه الموقف السياسي للنظام السياسي الراعي لها؟ ثم كيف نصدّق من يؤيد ثورة شعب في بلد ثم، وفي نشرة الأخبار ذاتها، يؤيد قصف النظام لشعب آخر في بلد آخر شقيق؟ أليست المواقف الداعمة لثورة من ثوراتنا دون غيرها، أليست مواقف سياسية لأنظمة لها غاياتها ومصالحها؟ لا يخبرني أحدكم أن هذه القناة أو تلك تنادي بحرية الشعوب أنّى كانت، مع ثوراتها المدنيّة والسلمية وضد جميع الطغاة، مع الثورات من منطلقات إنسانية وأخلاقية ووطنية وحسب، بل هي قنوات أنظمتها لا أكثر، أشبه بمكاتب إعلامية لها.

فرِحٌ (بحذر) لحرية الشعب المصري ومتألِّمٌ (بشدّة) لمآسي الشعب السوري، لكن يعزّ على أن آتي بهذا الفرح وهذا الآلم عن هذه الشاشات.

سافرات متبرّجات

نعم يمكن لسافرة متبرّجة أن تدافع عن «الشريعة» و «الشرعية»، يمكن إن شاهدت «الجزيرة». كنتُ بين مشهد وآخر على قناة وأخرى في الساعات الأخيرة لمرسي أشاهد «الجزيرة» التي ما تزال تعيش حالة الإنكار على ما يبدو. تركتُ كل التفاصيل وكل مضامين ما تبثه القناة لأسأل نفسي عن إمكانية أن تدافع هذه المراسلة عن «الشريعة» و «الشرعية»، بقميصها «العلماني» وشعرها «الليبرالي» الذي يهفهف على جموع اللحى الكثّة والجلاليب المتحلّقة في فضاء «رابعة العدوية». هل هي حقاً مقتنعة بما تقوم به في دفاعها عن هؤلاء و«شريعتهم» ومظهرها الخارجي أقرب «للبرادعيّة» منه «للإخونجيّة»؟

أي تفسير لذلك غير تلك الولاءات الهجينة التي يحملها بعض الصحافيين للمؤسسات التي يعملون بها؟ هي (حمى الله شبابها وهداها لما فيه خير للأمة من حجابٍ، أو نقابٍ فَرْدْ مرّة)، إذن هي وغيرها من العاملين في «الجزيرة» وغيرها مجبرون على الالتزام بالخط السياسي للقناة وإن خالف ذلك قناعاتهم الخاصة. ليتخيّل أحدنا مثلاً أن موظّفاً في «الميادين» قد يتجرأ على كتابة مقالات يؤيد بها الثورة السورية، «يا حبيبي عليك!».

المشكلة ذاتها في جميع المؤسسات الإعلامية «النظامية»، الصحافي لديهم موظّف لا يملك أن يخالف الخط التحريري للقناة التي يعمل بها، أيْ ربّ عمله، كما أن القناة عينها لا تملك أن تخالف الخط السياسي للأنظمة الممولة والراعية (وكلّ راع مسؤول عن رعيّته)، فلا يملك الصحافي أن يخالف الخط السياسي للنظام، «عرفت كيف خيّا؟».

هنا أعيد سؤالي عن مصداقية هذه القنوات وهؤلاء الصحافيين، ثم أسأل: لمَ تحوّلون مهنة الصحافة وهي المهنة التي لا تستوي دون حدّ أدنى من الاستقلالية في الرأي، والحرية في الجهر به، لمَ تحوّلونها لوظيفة إعادة تدويرٍ لمواقفِ الأنظمة الحاكمة، لمواقفِ المؤسسة الإعلامية، لمواقفَ حتى لو اتفقتم شخصياً معها تخسرون مصداقيتكم، لمواقفَ حتى لو اتفقتُ معكم بها، لن أصدّقكم؟

خطاب بديع

نعم كان الخطاب بديعاً وكذلك الخطيب، خطاب محمد بديع مرشد «الإخوان المسلمين» المُلقى عن منصّة «رابعة العدوية» يوم الجمعة، كان خطاباً دينياً بامتياز، يمكن بكل تفاصيله أن يُلقى بمناسبة دينية كذكرى إحدى المعارك، لكن ليس أبداً بمناسبة سياسية ولغاية سياسية كالتي نُصبت لأجلها المنصّة وتظاهر من أجلها أنصار الإخوان.

بؤس الخطاب كان في دلالاته السياسية، قد نتقبّل دينياً خطاباً بهذه المجازات واليقينيات، لكن الخطاب الذي نقلته التلفزيونات العربية والأجنبية على ملايين المشاهدين جاء بما يشبه جميع خطابات «الإخوان» و«الإسلام السياسي» بالمجمل، وهنا المصيبة التي لا أتمناها لأهلنا في مصر: أن يغالي الإخوان (فوق مغالاتهم) في إسقاط يقينياتهم ومجازاتهم الدينية على الحياة السياسية لهذه البلد وبالأسلوب العنفي كما سمعناه من بديع. الخطاب الديني بالمجمل يكون في الأزمات والمعارك السياسية تحريضياً وتعويمياً وعاطفياً ويقوم على المجازات من جهة واليقينيات من جهة أخرى، ويكون مغالياً في كل ذلك، وهو ما لا تقبله السياسة وتحديداً في حالات كالتي تشهدها مصر، إلا إن كان الخطاب الديني، مهما أوغل في تكفيريته، مكرّساً لغايات سياسية، وهذا ما كان في خطاب بديع.

بؤس آخر للخطاب كان في «المليونيات» الجالسة تشاهده عبر التلفزيونات، أي تحريض يمكن لخطاب كهذا أن يحمله للعالم! حمى الله مصر وشعبها.

إغلاق القنوات الدينية

شرّ لا بدّ منه. لن أكون ذلك المنادي بحريات الإعلام والكلمة والرأي «المودِرْن» الذي لن يكلّ من إدارة خدّيه للاطميه. هنالك تحريض على القتل وتشهير وتكفير علني وهنالك إساءة للإسلام والمسيحية وإساءة للحريات والإعلام وكلّه باسم الدين، أكاد أقول ليس هنالك غير ذلك. ليست هذه إذن وسائل إعلام بل منصّات كالتي ألقى بديع خطابه عنها، هي منصّات لكنّها فضائية. وحسناً فعل الجيش (بمعيّة الشعب) المصري بإغلاقها. وحسناً سيفعل إن منحها حق «التوبة» -وهو خير، ولا بدّ منه- وبالتالي العودة على أن تحترم ميثاق شرف إعلامي وأن تحترم الديانات جميعها، وتحديداً الدين الذي تدّعي أنها تحكي باسمه، والأهم، أن تعود للبث شَرطياً خاضعة لإعادة تأهيل ولتشذيب الأخلاق، ويا حبّذا اللحى.

أمر أخير

ما زال عالقاً في حلقي: كيف يمكن لمؤسسة إعلامية أن تؤيد إزاحة مرسي على أساس فقدان الشرعية الشعبية (وهو فاقدها) وفي الوقت نفسه ترى أن الأسد في سوريا يملك كل أنواع الشرعيات؟ ألطُمْ؟

الزاوية الأسبوعية في «القدس العربي»

alquds-telfizionat

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s