سياسة
اكتب تعليقُا

بلا حدود وبلا الرأي الآخر «بالمرّة». رسائل الميادين. آيدول فلسطيني

بلا حدود وبلا الرأي الآخر «بالمرّة»

لنتفق أن ليس هنالك إعلاماً موضوعياً بالمطلق، أو لأكن أكثر دقة وأقول أن موضوعية أي وسيلة إعلامية خاضعة وبشكل فاضح أحياناً لانحيازات تحول دون نسبة الـ ٥٠٪ من الموضوعية النسبية أصلاً. قناة كـ «الجزيرة» ما زالت تصفقنا بشعارها «الرأي والرأي الآخر» بين برنامج وآخر، ولا تلصقه عنوةً بسياساتها التحريرية فحسب، بل بالأسلوب المأدلج -بالمعنى الدسم للكلمة- لمقدمي برامجها، أو بعضهم، اتفقنا معهم في أمور أو اختلفنا في غيرها.

قبل أيام بثت القناة حلقة جديدة من برنامج «بلا حدود» الذي يقدمه أحمد منصور، في مقابلة مع نعمان كورتولموش نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، في معمعان المظاهرات التي تجتاح المدن التركية (استعرتُ «تجتاح» من منطق الاستسهال اللغوي في الإعلام العربي)، ههنا إذن تكمن مواد «دسمة» للبرنامج، وللقناة عينها.

يصفقنا مقدّم البرنامج بسؤال -أكان سؤالاً أم تعليقاً لم أستوعب- طافح في أدلجته يطرحه على ضيفه مع تصويب اللقطة على ابتسامته التي تشي بشيء من الانتصار المرتقب منذ فترة لمجرد طرح سؤال كهذا أمام الملايين من المشاهدين، يقول بأنه شخصياً ذهب إلى ميدان تقسيم وأنه قضى يوماً كاملاً هناك بل وبقي إلى منتصف الليل -هنا بدأ بالتمهيد لزبدة ما سيقوله- وأنه اكتشف بأن المتظاهرين أو المعتصمين هم ثلة من الشيوعيين (ليش لأ) والأحزاب الهامشية (وليش لأ) وتلك المحظورة (فعلاً ليش لأ). ما لم أستوعبه (كذلك) من السؤال/التعليق هو مبرّر ذلك الاستنكار الذي طُرح أمامي في أن يتظاهر الشيوعيون أو أي حزب هامشي أو محظور، طالما أنها كانت سلمية بالدرجة التي سمحت للسيد منصور بالتجول هناك حتى منتصف الليل. وهل يعيب أي مظاهرات أن يكون فيها شيوعيين أو مهمشين أو محظورين؟ (عادةً تجمع الصفات الثلاثة جهة واحدة، قد تكون شيوعية مثلاً وبالتالي مهمشة أو/و محظورة)

يستتبع السيد المقدّم تعليقه الاستنكاري -الذي كرّره أكثر من مرّة بالمناسبة- قائلاً بأن المتظاهرين هم من أولئك المطالبين بحرية شرب الخمر (يقصد ألكول) وحرية الاجهاض، وهذان السببان بالمناسبة كفيلان بالقضاء على أي «شرعية عاطفية» يمكن أن تكسبها هذه المظاهرات من ملايين المشاهدين لهذا الـ «بلا حدود».

لكن لحظة، لم كل هذه الأحكام «الأخلاقية»؟ أليست المظاهرات سياسية بالأساس؟ وهل من المعقول أن تُحاكَم بما لم تخرج منه ومن أجله، أن تُحاكَم بمنطق أخلاقي ومن وجهة نظر أخلاقية معينة هي محافِظة ودينية؟ والأهم من كل ذلك، «مين سائل» من هؤلاء المتظاهرين على هذه الأحكام الأخلاقية؟ أو بالمجمل: أي علمانيّ معني بأحكام أخلاقية على أسس دينية؟ آه؟

فليخرج الشيوعيون والمهمشون والمحظورون وليجاهروا بمطالبهم بحرية وسلمية تامة، ولتكن تركيا بهؤلاء نموذجاً لبعض العرب في أمور عديدة، ليكن من بينها حرية شرب العرق والنبيذ في المقاهي والمطاعم العامة وحق المرأة في الإجهاض وهو أحد حقوقها الأساسية في هذا الكون.

ضيف البرنامج يجيب بدبلوماسية الحزب الحاكم، لا بأس. يعيد مقدّم البرنامج أسئلته التي تندحش في أذن المشاهد مستخدماً مفردات مختلفة، أي مكرّراً الفكرة ذاتها بتعبيرات تبدو مختلفة وجديدة إلا أنها مُعاد تدويرها لا أكثر. تتكرّر على مسامعنا مفردات وتعبيرات من موديل: العلمانيون، لا يرتادون المساجد، لا يعرفون الإسلام، الإعلام الإسرائيلي دعا الناس بأن تصلي من أجل المتظاهرين، العالم وأميركا وأوروبا معهم، هؤلاء يريدون حرية التقبيل والعبط (بمعناها الفلسطيني لا المصري) في الشارع.. الخ الخ.

وبعد جلسة الغسيل الإعلامية الهزلية هذه، ومن خلال التركيز على فكرة واحدة تُطرح بأكثر من مفردة وتعبير، وبإلحاح، في قناة لا تنفكّ تصفعنا بـ «الرأي والرأي الآخر» على شاشتها، ينتهي البرنامج بالسؤال التالي للضيف: بكلمة واحدة، هل خرجت الحكومة والحزب فائزين؟ هكذا بضربة واحدة قُضي على أي هامش محفز لأي رأي فيه شيء من الاستقلالية يمكن أن يخرج به المشاهد من هذه الجلسة، هكذا تمّت مصادرة حتى الانطباع الأخير الذي يحق للمشاهد أن يخرج به بنفسه، ليقوم بذلك «بلا حدود» و«الجزيرة» نيابة عنه.

آه أخيراً، لم يُنه السيد المقدّم هنا، بل ختم الجلسة معلّقاً بأن الجميع يتطلع لمظاهرات أنقرة واسطنبول -المؤيدة لحكومة أردوغان- في حوار كان لا بدّ أن يمثل المقدم فيه الطرفَ الآخر.

أما الـ أخيراً الحقيقية فهنا: ينهي السيّد المقدّم بالآتي: أرجو أن نكون قد نقلنا الحقيقة للمشاهد، ومن مقر حزب العدالة والتنمية في أنقرة.

رسائل الميادين

من يعوّض لي هذه الساعة والنصف التي قضيتها أشاهد برنامج «لعبة الأمم» على شاشة الميادين؟ قد يكون القرار بمشاهدة القناة خاطئاً بالأساس لكني أبحث عن مادة كتابية، وأيها أفضل من برامج هذه القناة، إن استثنينا القنوات الرسمية السورية (حكومية وغير حكومية) طبعاً.

المهم.. البرنامج الذي يقدمه سامي كليب «عالجَ» «معركة حلب ومفاوضات جنيف» رغم أن الحلقة برمّتها لم تأت لا على معركة حلب ولا مفاوضات جنيف إلا من أطرافها، كأنْ يسأل المقدّمُ رئيسَ هيئة أركان الجيش السوري الحر سليم إدريس إن كانوا سيربحون معركة حلب، أو إن كانوا سيشاركون في مفاوضات جنيف، وحسب. هنا اكتفى المقدّم ببضع دقائق «رفع عتب» مراعاة لعنوان الحلقة، أما مجمل هذه الحلقة فكان استجواباً اعلامياً عاماً -اعتدنا كعرب على مشاهدته- أجراه المقدم مع إدريس فنال الأخير الحصة الأكبر من وقت البرنامج -ويا ليته ما فعل- مقارنة بالضيفين الآخرين المؤيدين، وبشراسة، لحزب الله والنظام السوري، ليضعهما المقدّم كمحكّمين يرجع إليهما كلّما وصل النقاش (نقاشه) مع إدريس لحالة استعصاء، ليبدو الآخران ظاهرياً وبشكل غير مباشر طرفاً ثالثاً يقدّم الكلمة الفصل بين كليب وإدريس. المشكلة فوق ذلك أن إدريس عسكري والآخرين بمن فيهم المقدّم أكثر حنكة سياسياً كما بدا.

وخرجت الحلقة كما أرادتها الميادين بالكيفية التي تظهر بها كمضيفة لـ «قائد الجيش الحر»، وبالرسالة التي استطاعت توجيهها باستفزازه ثم حصاره ثم إيقاعه. أما المقدّمة التي تلاها المقدّم، فتكفي لتهيئة المُشاهد لما ستصل إليه الحلقة. برافو الميادين، رسائلك تصل وبشكل فاضح، وكلما زدتِها واحدة نراكِ تتماهين مع سكّان القصر الجمهوري في دمشق.

آيدول فلسطيني 

ستستمر نقاشات الفلسطينيين -وما أشطرهم في ذلك- إلى ما بعد انتهاء برنامج «عرب آيدول» بين مؤيد ومعارض ومؤيد بتطرف ومعارض بتطرف كذلك، لمسألة تتراوح بين مشاركة محمد عساف من أساسها في البرنامج وبين أحد تفاصيل تلك المشاركة، وضمن حلقة مفرغة مركزها صاحب هذا الصوت الجميل. لأوضّح المسألة بقدر ما تسمح لي هذه المساحة، هنالك أطراف تعارض من منطلقات تسمّيها وطنية، أن عساف مثلاً إما أن يغني لجبهات تحرير فلسطين وكتائبها أو ليسكت، المنطق (أو التطرف) ذاته نجده عند إسلاميين في موقفهم المتحفّظ والمحرّم أحياناً بخصوص الغناء التراثي أو الحديث والجيد أو حتى الأغاني الثورية كغلابة يا فتح يا ثورتنا غلابة…الخ (وهي أكثر ما يغيظهم)، فإما أن ينشد أو ليسكت. لنضع جميع هؤلاء على جنب لأن محاولة تناول آرائهم ستكون عبثية بالمجمل.

للفلسطيني الحق بأن يُظهر حبه للحياة بشتى أشكالها والغناء أحد هذه الأشكال، هذا بالمطلق، أما بالنسبة للبرنامج ومسألة العبودية والتجارية والاحتكار التي يحوَّط بها المغني فهذه وجهة نظر معقولة جداً. ما يهمّني من بين كل ذلك هو طرح السؤال في مكان آخر تماماً لا يكون مركزه عسّاف، طرحه على الفلسطينيين المنشغلين بهذا الفتى وتحديداً السياسيين الانتهازيين منهم، أسأل: جميل الاهتمام بعسّاف لكن ماذا عن الاهتمام بقضايا كالفلسطينيين في المخيمات السورية والأسرى في السجون الإسرائيلية مثلاً؟ (أففففف؟) ليس ذلك بالأمر الجميل أعرف، لكنه أقرب لـ «حب الحياة» من اهتمامنا بعسّاف، المسألة إذن تخصّ «الحياة» وفكرة «حبها».

العمود الأسبوعي في «القدس العربي» 

bila hodod3454

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s