سينما
تعليقان 2

«ظلام» فيلم إسرائيلي بكل خبثه

ستكون محاولة التعبير بالكتابة عن انزعاجنا من فيلم يكون إسرائيلياً، ستكون بالضرورة ترفاً ثقافياً يبحث في المسلمات ويقاتل طواحين. أو يخانق حاله، الإسقاط اللغوي الفلسطيني على معارك دونكيشوت. إسرائيل كمنظومة تشمل السينما، عدوة للحقوق الفلسطينية والعربية ومن حقها أن تنتج ما تراه مناسباً ضمن ممارساتها الثقافية لهذه العداوة. ومن بين تلك الممارسات ونتاجاتها الثقافية، السينمائية تحديداً، فيلم «ظلام» (أو Alata أو (Out in the Dark للمخرج الإسرائيلي ميخائيل ماير، والذي تم الاحتفاء به عالمياً عبر مراكز ومهرجانات سينمائية يهودية. أين المشكلة إذن؟

شاهدت الفيلم مؤخراً حيث بدأت عروضه في فرنسا، هذه المشكلة الثانية على كل حال: أن يُعرض فيلم كهذا عالمياً عبر دور السينما والمهرجانات (غير اليهودية). أما المشكلة الثالثة فهي أن طبيعة النسبة الأعلى من المشاهدين المفترضين هي من المثليين جنسياً ومناصري حقوقهم، سآتي لهذه لاحقاً لأحكي الآن عن المشكلة الأولى، وهي أن يشارك أفراد فلسطينيون في صناعة نتاج ثقافي معادٍ (لغتي مودرن جداً وهو فعلاً نتاج معاد) لقضية فلسطين، فكرةً وثقافةً ومقاومة.

يحكي الفيلم عن علاقة بين مثليَين اسم أحدهما نمر وهو من رام الله (يقوم بدوره نيكولاس يعقوب من حيفا). حسب سايكولوجيا العلاقات الجنسية يميل أحد طرفَي العلاقة المثلية لتمثيل دور الجنس الآخر، هنا يكون نمر هذا الطرف -الفلسطيني الخاضع بكل الأحوال- في علاقته مع الإسرائيلي روي (يقوم بدوره ميخائيل ألوني) الذي يمثّل دور «الرجل، المسيطر، الحنون.. الخ» في علاقته مع نمر. بعد محاولات عديدة يحقق نمر حلمه في الحصول على تصريح للدراسة والإقامة في تل أبيب، مدينة الأحلام للفلسطيني الطموح، أكاديمياً واجتماعياً. في تل أبيب يقيم نمر علاقته مع روي، يتعرف على أسرة هذا المحامي البرجوازية المتفهّمة المنفتحة ظاهرةً في نقيض تام لأسرة نمر المتخلفة الفقيرة المتخمة بالمشاكل. مشاهد العنف التي نتعرف عليها في الفيلم تأتينا حصراً بفضل الأخ الأكبر لنمر، اسمه نبيل وهو عضو في مجموعة مسلّحة حيث نراه يخزّن السلاح (M16 وليست كلاشنات للمفارقة) في البيت ويعرّضه للخطر الذي سنراه لاحقا في اقتحام -مبرّر حسب سياق الفيلم- القوات الخاصة الإسرائيلية للبيت مصادرين السلاح ومعتقلين هذا المسلّح الذي لا تفارقه تكشيرته ولا صرخاته وانفعالاته.

مشكلتي الثانية إذن تكمن في أن فيلماً كهذا يُعرض عالمياً، في تصوير نمطي للفلسطيني والإسرائيلي، قد تختصر ذلك لقطة يعلّم فيها روي نمرَ كيف يأكل السوشي بالتشوبستيكس. أرأيتم كم هي تل أبيب أوروبية!

في تل أبيب هدوء، راحة بال، موسيقى، أناقة في اللبس وديكورات البيوت، قبلات بين مثليين في الأماكن العامة.. في رام الله ضجة، توتر، صراخ، بهدلة في اللبس وديكورات البيوت، وقتل لمجرد الاشتباه بالعمالة لأحد المثليين المرحين الضحوكين من اللقطات الأولى للفيلم، وتهديد بقتل أخ لأخيه وتبرؤ أم من ابنها للاشتباه بمثليته الجنسية.

«ظلام» فيلم إسرائيلي تنميطي «ستيريوتيبيكال»، التعليب جاهز للفلسطيني أفراداً ومجتمعاً، وللإسرائيلي أفراداً ومجتمعاً كذلك وفي مخاطبة واضحة ومأدلجة للغرب. لا بأس في ذلك بالمرة كوننا نحكي عن نتاج إسرائيلي يكون عدائياً ما لم يُثبت العكس ويكن جديراً بذلك. المشكلة تكمن في مساهمة فلسطينية، لممثلين وإن كانوا مغمورين كـ نيكولاس يعقوب وجميل خوري ولؤي نوفي وخولة حاج دبسي وميساء ضو وآخرين في فيلم يتكرّس فيه الخبث الإسرائيلي عبر رسائل سياسية ضمن موضوعات حقوقية، ومرفقة بشهود زور من أهل هذه الأرض.

مشكلتي الثانية إذن تكمن في أن فيلماً كهذا يُعرض عالمياً، في تصوير نمطي للفلسطيني والإسرائيلي، قد تختصر ذلك لقطة يعلّم فيها روي نمرَ كيف يأكل السوشي بالتشوبستيكس. أرأيتم كم هي تل أبيب أوروبية!

أما مشكلتي الثالثة، فهي أن الفيلم يخاطب جمهوراً هو على الأغلب من المثليين أو المعنيين لأمرهم وحقوقهم في المجتمعات، وهذه الفئة أتت لتحضر الفيلم لموضوعة المثليّة فيه لا لأي رسالة سياسة قد يمررها الفيلم الإسرائيلي وممثلوه الفلسطينيون. هذه الفئة تصفّ على الغالب مع حقوقنا كفلسطينيين وإن بنسب متفاوتة. هذه الفئة لا تكنّ احتراماً لإسرائيل دولةً وجيشاً ومستوطنات. هذه الفئة تقاتل لنيل حريات وحقوق في مجتمعاتها وفي ذلك ما يجمعها مع أي فئة أخرى تقاتل لنيل حريتها وحقوقها الخاصة كالفلسطينيين. هذه الفئة تشاهد الآن فيلماً يُضطهد فيه المثليّ في رام الله ويجد ملاذه في تل أبيب التي تحترم ممارساته المثلية، وجهراً. هنا الخبث بكل إسرائيليته.

في النهاية، يترك نمر فلسطين كلها، إلى فرنسا. في النهاية، وإن لم تسعفك تل أبيب، الترانسفير الاختياري هو الحل أيها الفلسطيني.

بالشراكة مع سينما أوتوبيا في فرنسا

 في القدس العربي

alquds-alata

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الممثلون الفلسطينيون في الفيلم

الممثلون الفلسطينيون في الفيلم

مثلا

مثلا

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

2 Comments

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s