استعادة
تعليقات 5

عاريات إسماعيل شمّوط. الإيروتيكية وسؤال الوطنية

ليس من السهل أن يرسم أو يكتب أحدهم في موضوع يتّخذه أساسياً يكون (في الحالة الفلسطينية) النكبة والثورة والمقاومة، ثم يمرّ قليلاً على مواضيع كالحب ناجياً من أي تلميحات وطنية، أو وبشكل مباشر، كالعري ولو تجاور مرّات مع كل ما يمكن أن يتوقّعه الجمهور من الفنان الوطني الملتزم. ليس من السهل التجربة في مسألة كهذه لا لأمر في الفنان نفسه، بل في الجمهور المتلقي عامةً، تماماً كحالة الرسام الفلسطيني إسماعيل شمّوط ومحبّيه فلسطينيين وعرباً.

عُرف شمّوط بأنه رسّام النكبة وقد يكون أبا الفن الفلسطيني الحديث، تسيطر على لوحاته صور كامرأة بثوب فلسطيني يسترها حتى رسغيها والجماهير تلتف حولها في ترميز للوطن وشعبه، صور لفدائيين مع كلاشيناتهم يلوّحون بالكفاح المسلّح طريقاً للتحرير، شيوخ كبار وقد نتأت بثور النكبة على ملامحهم وانحناءات ظهورهم، العديد من البورتريهات وغيرها، ومجملها في تصوير رمزي محتشم يحيل على موضوعات فلسطينية بكافة توصيفات هذه الكلمة، هكذا عرفنا إسماعيل شمّوط، وهي الصورة الناقصة من سيرته الفنية.

أما ما لم نعرفه، كمتلقّين لهذا الفن من بواعث وطنيّة، فهو العدد غير القليل نسبياً للوحات رسمها شمّوط وقد حملت تمثيلاً إيروتيكياً بحتاً دون أن يضطر لتحميلها أي وزر وطني، وأخرى أشرك فيها الإيروتيكا بموضوعات تكون أكثر قابلية عند مجتمعاتنا.

لم يكن فعلاً من السهل أن يخوض شمّوط في رسم نساء عاريات، لم يكن سهلاً على جمهوره لا عليه، فقد بدأ برسم عاريات منذ بداياته في الخمسينيات إلى ما قبل رحيله بقليل، وقد بلغت كثافتها ذروتها في السبعينيات، فالمشكلة تكمن إذن في خنق هذه اللوحات لا في خلقها لدى الفنان بالأساس، هو يرسم ما تمليه اللوحة عليه وحسب.

وكاتب هذه الأسطر كان فرداً من الجمهور المتلقي الذي لم يعرف لشمّوط إلا موضوعات تنطلق من قضيتنا وتنتهي إليها، وهذا لا يعيب أيهما على كل حال، لا الفنان ولا القضية، وكان كذلك أمراً حسناً لديّ معتقداً أنها مجمل نتاجه دون أن يتخلّله أي إقصاء لموضوعات كالإيروتيكا.

مؤخراً فقط اكتشفت العديد من اللوحات لنساء عاريات رسمها شمّوط (وإن كان بعضها مألوفاً) فأدركت أن الأمر لم يكن بالحسن الذي تخيلته، أنها لوحات عديدة لأحد روّاد الفن العربي الحديث تنقل فلسطين وكل ما يخصها بأجمل صورها، لكنها مجتزأة، أي أن مسيرة شمّوط الفنية وصلتنا ناقصة. إن كان لا بدّ من تشبيه لهذه المسيرة فلتكن لوحة شاسعة حسنة لفلسطين تشوبها بقع تعتيم متفرّقة لم ننتبه إليها، الآن نعرف أنها بعض النهود والأرداف الخارجة عن أي إجماع وطني. أما المشكلة الأساس فتكمن في أن أحداً لم يُعد الاعتبار لهذه الأجزاء من المسيرة، لوحات شمّوط الإيروتيكية بمعزل عن باقي لوحاته المطبوعة في المخيلة الجمعية الفلسطينية.

بحثت في الإنترنت لعلّي أكون مخطئاً في أفكاري الأولية تلك، لكن كل ما وجدته عن الإيروتيكا في لوحات شمّوط كان سطراً في حوار أُجري مع زوجته الفنانة تمام الأكحل تنقل فيه مما قاله درويش في تأبين إسماعيل شمّوط عام 2006: نحن رسمنا لإسماعيل صورة رسام النكبة، لكني عندما أرى أعمالاً له لنساء عاريات أستغرب لماذا لا تظهر تلك اللوحات وأقول إن ذلك لا يعود إلى خوف من تمام بل إلى خوف من أن يُسقط المجتمع عنه صفة الوطنية. ثم تضيف تمام في حوارها أنها أرادت أن تنشر هذه الأعمال التي لم تُنشر في أي بلد عربي. ولا أدري الآن إن تم ذلك أم لا لكن حسب ما يمكن الوصول إليه عبر الشبكة، ليس هنالك ما يشير لأي معرض أو مقالة تخصّ الأعمال المذكورة.

إذن، وحسب درويش، لم تُنشر الأعمال التي صوّرت نساء عاريات كي لا يُسقط المجتمع عن شمّوط صفة الوطنية، وفي ذلك لوم وانتقاد صريح لهذا المجتمع، وكأن الوطنية تُمنح لا تُنتزع، وكأن، وهنا السؤال الأساس، الوطنية في تناقض تام مع الجمال البحت، مع العري البحت، مع النساء اللواتي جمعن الجمال والعري في عمل جميل، فوق ذلك، فنياً.

أقول ذلك وقد شاركتْ العري في بعض لوحات شمّوط موضوعات كالأمومة والحب والكفاح والحرية، وقد تطغى إحدى هذه الموضوعات في لوحة يكون العري فيها تفصيلاً أنثوياً لا بدّ منه. حتى هذه لم يكن سهلاً على المجتمع أن يتقبلها.

خللان في مجتمعنا التقيان ليحجبا عن التراث الفني والثقافي الفلسطيني والعربي القيمة الجمالية التي تمثّلها هذه اللوحات: أولهما الوطنية الأصولية بمعناها الضيّق المتصلّب الصدئ، التي تحظر على الفنان أن يخوض في الإيروتيكا، وثانياً المحافظة الاجتماعية والدينية التي لن تتردّد في «سحب» الوطنية من الفنان ذاته إن لم تَحل الوطنية الأصولية دون الجهر بعارياته.

أما هذه اللوحات، فلم تزد فلسطين فناً وثقافةً وتراثاً وفكرةً إلا جمالاً استمدّته أولاً من النساء فيها، وثانياً وثالثاً من عريهن، ورابعاً من ملامحهن الفلسطينية، وخامساً من الحسن في رسم كل ذلك. قيمة جمالية قد ندرك يوماً كم افتقدنا لمثيلاتها في تراثنا الفلسطيني والعربي.

في القدس العربي بتاريخ ١١ يوليو ٢٠١٣

Advertisements
This entry was posted in: استعادة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

5 Comments

  1. يعني هو تعبير عن قضية الفلسطينية ما بيجي غير برسم جسد !! هاي اشهر رسامين واللي قدمو للقضية كتير ومن بينهم ناجي العالي كانت فلاحه مغطاه صدرها .. مش قادره افهم وين الانجاز انو ينكشف جسد المراه او رجل وليش ؟؟ وشو يضيف او بنقص !! ما نحصر ثفافتنا وانفتاحنا بمقدار طردي مع العري

    إعجاب

  2. ربما لو رأيت لوحات لشموط تتعلق بالنكبة والتشرد والهوان والضياع لكنت الاٌقدر علي فهمها كفلسطيني وفهم كل معانيها وايحائتها وقد تحملك لوحة علي البكاء أحيانا .
    اما أن اري صورة فتاة عارية فلا اجد اي رسالة استقرت في داخلي منها ربما هذه تداعيات بيئة ومنٍشأ ملعون الديانة . يعزل الجنسين ويجرم الحب ويجرم الجنس ….

    إعجاب

  3. حسام says

    لا علاقة للعري والانحراف بالفن والمقاومة والثقافة

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s