أدب
اكتب تعليقُا

بين الباسك وتولوز، وأشعار درويش

 لقاء مع الكاتبة الفرنسية غابي إتشيبارن

تعيش لوحدها في بيت صغير وحديقته في مدينة تولوز الفرنسية، ومع قطّتها «باسك». رغم أنها بلغت الثمانين من عمرها، فهي تؤلف كتبها بالنقر على اللابتوب، وتتصفح الجرائد عبره كالكثير منا. الأقمشة في بيتها، المقتنيات، الكتب، كل ما في هذه الغرفة الصغيرة يوحي بحياة تركت الكثيرُ من الثقافات آثاراً عليها. هذه غابي إتشيبارن التي تُذكّرنا بإحدى جمل محمود درويش الشعرية بين موضوع وآخر.

من الرهبنة إلى الكتابة

أنا من بلاد الباسك، بين إسبانيا وفرنسا، وما يوحد هذه البلاد هي اللغة، اللغة توحّد الأرض كما قال درويش. هكذا بدأ اللقاء بغابي الكاتبة والمثقفة الفرنسية. تنحدر غابي من عائلة كاثوليكية وقد كانت أمها تقليدية جداً تجبر أبناءها وبناتها على الترهبن. كانت غابي متعلقة بقبيلتها في الباسك، وبلادها، ولكن حبها للسفر طغى على ذلك، فقرّرت، صغيرة، أن تهرب من ظروفها العائلية ما جعلها تنتسب لمركز ديني يمكّنها من السفر للتبشير، فسافرت إلى الأرجنتين، وهناك وجدت الناس منفتحين على الآخر بالمقارنة مع أهالي الباسك. بقيت ٤ سنين في لاووس أثناء الحرب على فيتنام، هناك عرفت معنى أن يكون المرء مهاجراً. رأت العديد من المهاجرين القادمين من الجبال هاربين من الشيوعيين الذين استلموا السلطة وفرضوا على الآخرين أسلوب حياتهم هم، ما لم يستطع السكّان تحمّله. كان ذلك في ستينيات القرن الماضي وقد ترك أثره على أفكارها حتى الآن في دفاعها المبدئي عن الحرّيات.

في عام ١٩٧٥، في الأرجنتين، قررت ومجموعة من الراهبات بأن يعشن كما يردن ومع الفقراء بعيداً عن المركز وصخبه، فلم توافق الأغلبية على ذلك ما جعلهن يهربن، وبقين في الشارع بلا عمل ولا نقود، وكانت غابي حينها في ٤٢ من عمرها. اعتقلت الشرطة اثنتين من الهاربات معها ورمتهم في البحر، وكان ذلك الدافع الأساسي لها للكتابة. أرادت أن تحكي قصتهما، كتبت عن الدكتاتورية في الأرجنتين في تلك الفترة انطلاقاً من قصة رفيقتَيها، ومن حينها بدأت بالكتابة عن تجاربها اللاحقة في العمل مع النقابات والمسارح والجمعيات وغيرها إضافة لكتاباتها عن الراهبات وحياتهن، وكذلك حقوق العمال والعاطلين عن العمل والمهاجرين.

باصٌ إلى فلسطين

سافرت غابي إلى فلسطين عام ٢٠٠٢ مع جمعية «موتيفيه». كانوا حوالي ٥٠ شخصاً، استأجروا باصاً قديماً ليوصلهم براً من فرنسا إلى فلسطين، تحديداً إلى رام الله ونابلس وجنين وغزة. التقينا بياسر عرفات والتقينا بالعديد من المنظمات، رأينا المستوطنات ومعاناة الأهالي على الحواجز الإسرائيلية، تقول غابي. كان الجنود صغاراً لم يتعدوا العشرين، أوقفوا مرة على الحاجز امرأة حاملاً على وشك الولادة، ذهبت حينها ووبختهم بانجليزيتي المتواضعة: هل تحبون أن تُعامل أمهاتكم بهذه الطريقة؟ لكن عبثاً، تقول. قبل ذهابها إلى فلسطين كانت تعمل في المسرح وكانت أعمالها موجهة ضد العنصرية بصيغتها العامة، وبعد زيارتها هذه بدأت تكتب وتخرج مسرحيات عن فلسطين والحواجز والمستوطنات. نقول في الباسك بأننا بلاد محتلّة، ولكني لن أقارن بين حالنا وبين معاناة الفلسطينيين وهم يقاومون احتلالاً فظيعاً، تقول غابي. وأجمل صور هذه المقاومة وصلتني شخصياً من خلال أشعار درويش.

باسك شمالي وجنوبي

ستصدر غابي قريباً كتابها الخامس عن هذا الإقليم، بيعت كتبها بكثرة في الباسك باستثناء كتابها المخصّص عن المهاجرين في الباسك. أعتب عليهم بأنه من المعيب علينا كباسكيين أن لا تكون أحوال المهاجرين في بلادنا جيدة، لأننا أنفسنا هاجرنا إلى أميركا وغيرها ومن المتوقع أن نتفهم حاجات المهاجرين قبل غيرنا. هنالك باسكيين بعقول منفتحة وهنالك وطنيين متطرفين تقول غابي، أحب بلدي ولغتي التي يتكلمها أقلية في هذا العالم، نريد للعالم أن يعرفها، الحكومة الفرنسية متهمة بالمركزية المتطرفة، كل المسائل لديها لا تتعدى باريس، وفرنسا، وفقط. لم تكن تعرف غابي الفرنسية بل تعلمتها في المدرسة، وفي المدرسة كانوا يحكون لها بأن الناس في الباسك متوحشين وبدائيين وهو ما جعل العديد من الأطفال الباسكيين يخجلون بلغتهم ويتركونها.

أخيراً، عن حياتها خارج الباسك تقول بأنه انتماء، وأنك يمكن أن تكون باسكياً في أي مكان في هذا العالم تماماً كما يمكن أن تكون فلسطينياً في أي مكان، وأن إحدى أجمل صور الانتماءات هذه هي اللغة، وهو ما تعلمته من محمود درويش.

وحين سألتها عن الباسك الإسباني والباسك الفرنسي، قالت بأنهم لا يسمونها كذلك، بل الباسك الجنوبي والشمالي، هي بلاد واحدة، وأتت فرنسا وإسبانيا لتضع حدوداً بين الباسكيين. وعن رأيها في استقلال الإقليم قالت بأنها تخاف أن تعيش في حكم دكتاتورية شوفينية. ليست غابي مع الاستقلال سياسياً ولكن مع الحفاظ على اللغة والثقافة وتعليمها في المدارس، وهي لا تؤمن بالسلاح والعنف ولا تقبل به كحل لقضية الباسك لأنها شهدت تاريخياً ما يمكن أن توصلنا إليه الأسلحة، وأخذت كوبا والاكوادور كأمثلة على ذلك، فالأسلحة، تقول، تودي إلى دكتاتوريات وحروب جديدة.

كتابها الجديد

عن كتابها الذي سيخرج من المطابع قريباً، بعد خمسة كتب عن الباسك وكتاب عن المهاجرين في فرنسا، تخبرنا غابي: حالياً أكتب عن عقلية أهالي الباسك في الـ ١٠٠ سنة الماضية، سأركّز على مظاهر اضطهاد رجال الدين والبرجوازية للناس تاريخياً. كما سأسلط الضوء على معظم مشاكل بلاد الباسك الحالية والتي تتصدى للحريات الشخصية، لكني لا أغفل فيه كذلك عن العادات الجميلة التي توارثناها عن أهالينا كحب الرقص والموسيقى والعمل، وحب الأرض، وهو ما نتشاركه مع الفلسطينيين، نحن مثلاً أُجبرنا على أن ننسى لغتنا ولا نحكيها، عندما كنت طفلة كان من الممنوع أن أتكلم الباسكية، بل الفرنسية وحسب. هذا في فرنسا أما في اسبانيا تحت حكم فرانكو فكان الأمر فظيعاً، كانوا يرمون أهالي الباسك من الجبال كطريقة للإعدام بدون محاكمة. ثم بسبب ذلك ظهرت مجموعات المقاومة المسلحة التي صارت لاحقاً تستخدم السلاح بلا مبرر، هنالك في الباسك العديد من الجمعيات المدنية والمقاومة السلمية من أجل الباسك وثقافته وفنونه. في الكتاب ستجدون فصلاً كاملاً عن المقاومة السلمية/المدنية/الثقافية في الباسك.

المثقفون، والنساء

دور المثقف هو أن يظهر أهمية أن يكون للشعب تقاليد وعادات ولكن في الوقت نفسه أن يحارب ما في هذه التقاليد مما يكتم الحريات. في لبنان مثلاً يقتلون المثقفين كما حصل مع سمير قصير وقبله مهدي عامل. زرت لبنان أكثر من مرة وأختي تعيش هناك، وقد أخبرتني بأن حزب الله قتل المثقفين خوفاً من آرائهم لما يشكلونه من خطر على الأحزاب الأصولية، فالمثقف لا يخشى من قول ما يراه صواباً علناً، وبكل جرأة، وهذا ما يجب أن يكون عليه.

تعتقد غابي بأن خلاص العالم سيكون على أيدي النساء، اللواتي لن يشعلن الحروب التي يقودها الرجال حالياً، وعن الحجاب في فرنسا تقول بأنه كثر في الآونة الأخيرة، هنا في تولوز لم نكن نرى محجبات في الطرقات، الآن تجدهم في كل مكان، وحين أسأل إحداهن تقول بأنها تعاليم دينها، ثم أعرف لاحقاً أنه فُرض عليها من قبل زوجها أو أبيها. يصاحب دفاع غابي عن الحريات موقفها الحاسم تجاه الحركات الدينية المسيحية والإسلامية، عن حماس في فلسطين مثلاً تحكي بأنها تفهم تأييد كثير من الناس لها كونها حركة مقاومة لكنها بالنهاية حركة دينية تفرض أسلوب حياتها على نساء غزة إضافة إلى كونها دكتاتورية تفرض شروطها على المجتمع بأكمله.

أخيراً، عن حياتها خارج الباسك تقول بأنه انتماء، وأنك يمكن أن تكون باسكياً في أي مكان في هذا العالم تماماً كما يمكن أن تكون فلسطينياً في أي مكان، وأن إحدى أجمل صور الانتماءات هذه هي اللغة، وهو ما تعلمته من محمود درويش.

في المدن

 تتوفر كتبها في محلات فناك

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s