سياسة
Comment 1

هذه مخيماتنا يا ليلى، وهذا دمنا

 من الجيد أحياناً أن يتخفف الشعب من أيقوناته، أن يختصر منها قدر الإمكان، الأفضل أن تقوم أيقونة ما بعملية تحطيم ذاتية، أن توفّر على الشعب أو بعض أفراده هذه المهمة المؤلمة، أن توفّر له كل الأسباب الكافية كي يتحرر منها كأن تتّخذ موقفاً يتناقض تماماً مع تلك المواقف (وطنياً/أخلاقياً/إنسانياً) التي عمّرت هذه الأيقونة عبر سنين، وبالتحديد أكثر إن أصرت على ذلك الموقف وجهرت به دون استحياء، دون أي اعتبار لتاريخها، ولـ «مريديها». أهلاً بكِ ليلى خالد في عالمنا.

المناضلة الفلسطينية التي أصرّت على أن يتخفف الفلسطيني والعربي من بعض أيقوناته في عملية تحطيم ذاتية، المناضلة التي خطفت الطائرات مع آخرين كثر لم تُسلّط عليهم الأضواء مثلها، المناضلة التي كان للصور الفوتوغرافية دوراً رئيسياً في أيقنتها، إضافة إلى إطلالاتها الإعلامية وإلى كونها امرأة، وأساساً تاريخها النضالي ضمن «العمليات الخارجية» في فترة معينة من تاريخ الجبهة الشعبية، التاريخ الذي تتشاركه مع كثيرين استشهدوا في عملياتهم أو نجوا لكنهم لم يتمتعوا بتلك التركيبة التي جمعتها ليلى خالد في شخصها، تركيبة كانت كافية لتشكل أيقونة نضالية لجيل الشباب تحديداً، هم أولاً بحاجة لذلك في بدايات نشاطهم السياسي، وهي ثانياً تملك كل الأسباب لذلك، ما يُحسب لها لا عليها.

ليس من السهل أن تعمّر الأيقونة ذاتها أو يعمرها الآخرون، وليس من السهل تحطيمها، أما التحطيم الذاتي فهو أمر آخر.

من بين ما التقطتُه عبر الإنترنت فيما يخص ليلى خالد والموقف من الثورة السورية مؤخراً كانت ثلاث مواد مختلفة؛ حوار أجرته معها مجلة يسارية تركية تحكي ليلى فيه أنها تصرخ بأعلى صوتها أنها مع الجيش السوري وكذلك الشعب، موحية بأن الجيش والشعب في خندق واحد (ضد الأفغان ربما)، وكتبتُ عن ذلك متمنّياً من ليلى أن تكذّب ما نُقل عنها، بعد ذلك بأكثر من شهر رأيت صورة لليلى في أربعينية شكري بلعيد في تونس تحمل علم النظام السوري، ثم بعده بيومين هذا الفيديو الذي نشاهد فيه «الرفيقة» تحطّم، عبر ما تتفوّه به، تلك الصور التي كانت يوماً لامرأة جميلة مع الكلاشن والكوفية والبدلة الكاكية.

تقول ليلى في الفيديو الذي يصوّر جانباً من ندوة أقيمت في تونس في أربعينية بلعيد أن: النظام أخطأ في تعامله منذ بداية الحركة الشعبية. ثم تضيف فوراً: لكن تبين منذ البداية أن هنالك مخططاً لإنهاء سوريا كما حصل مع العراق، أنه المخطط ذاته لكن بأدوات محلية. أن انشقاقات الجيش الحر الأولى واللاحقة كان مخططاً لها في تل أبيب وواشنطن يا ليلى؟ لا أفهم كيف تقول «الرفيقة» أن النظام أخطأ منذ البداية في تعامله (المفترض أنه الأمني والدموي) مع المظاهرات السلمية ثم تقول بأنه كان واضحاً منذ البداية أن هنالك مؤامرة تُحاك على سوريا؟ إلا إن كانت تقصد أن النظام أخطأ في عدم الحسم منذ البداية بطائرات الميغ وصواريخ السكود؟

ليس هنالك أفغان في الميخمات، على الأقل ليس هم من يُقتلون، ليس هم من يُعتقلون ويموتون تحت التعذيب، ليس هم من يُهجّرون، هذه وجوه وأسماء فلسطينية ونعرفها جيداً، يا «رفيقة» أعرف أهالي المخيمات وأنا منهم، هم يشبهون مخيمهم وفلسطين أكثر سيادتكِ ومن كل قيادة جبهتك الشعبية.

ثم تحكي المناضلة المكرَّسة أن خطة أميركا وإسرائيل هي إنهاء سوريا «كبلد» وتقسيمها تحت مسميات طائفية سنّية/علويّة. أوافقها تماماً، إسرائيل لن تنعم بعد انهيار النظام السوري بحدود فائقة الأمان كالتي حفظها لها نظام الممانعة البعثي، وصحيح أنهما يسعيان لإنهاك الدولة (لا النظام)، إنهاك الشعب وقواه الوطنية الثورية والمعارِضة وجيشه الحر كي تخرج سوريا من الثورة إلى دولة فاشلة إقتصادياً، وهو فقط ما يضمن دولة عاجزة في الجوار مع إسرائيل، لن تحفظ أمن إسرائيل كما فعل آل الأسد، لكنها على الأقل لن تشكل خطراً استراتيجياً لسنوات طوال قادمة، وهو أفضل البدائل عن النظام الساقط. صحيح يا «رفيقة»، الأعداء يريدون إنهاك الدولة، البلد، الشعب، الاقتصاد، المجتمع، هذا «البلد» كما أفهمه، هذا هو البلد السوري، وليس النظام، افصلي قليلاً بين «البلد» وبين «النظام»، الشعبين السوري والفلسطيني (لا الأفغاني) ضحّى كثيراً خلال السنتين كي نفرّق بين بلد ونظام حكم شمولي في حالة السلم ودموي في حالة الثورة.

ثم «تشدّ على حالها» وتعلي نبرتها قائلة: عندما تتعرض سوريا لهذه الهجمة غير المبررة والتي تستهدف سوريا كدور وكشعب وكوطن، نحن مع سوريا. مجدداً عجز تام عن الفصل بين الشعب والوطن من جهة، ونظام الحكم الوراثي الذي قتل إمكانات هذا الشعب على مدى عقود من جهة أخرى، ألم تعلّمونا يوماً في الجبهة أنه من غير الصحيح أن نختصر الوطن والشعب في الحزب، والحزب في المكتب السياسي، والمكتب السياسي في الأمين العام، وبالتالي اختصار الشعب في القائد؟

تمعن «الرفيقة» في التحطيم الذاتي رأفةً بشعبنا الفلسطين لتقول بأن جبهة النصرة هي تنظيم القاعدة الذي أسسته CIA، وهو الإرهاب القادم إلى مخيماتنا من الخارج. يا «رفيقة» لعن الله ثلاثتهم، غيره؟ هاتِ ما عندك.

الآن هنالك أفغان في اليرموك وخان الشيح ويهددون مخيماتنا.

أفغان؟ في اليرموك؟ متى كانت آخر مرة زارت فيها ليلى خالد المخيمات الفلسطينية؟ ما الذي تعرفه ليلى عن المخيمات؟ هل تعرفين مثلاً أن الزي الأفغاني البشع والفضفاض منتشر بين الأوساط الإسلامية وغيرها في جميع بلاد الشام، لا المخيمات ولا سوريا فحسب؟ وذلك منذ سنين. ولماذا الأفغان تحديداً، لماذا هذه الجنسية من بين كل الإسلاميين في هذا العالم؟ لا أراكِ يا «رفيقة» إلا ترددين ترّهات النظام السوري في عروضه التي يتودّد بها لأميركا التي قاتلت يوماً الأفغان.

ليس هنالك أفغان في الميخمات، على الأقل ليس هم من يُقتلون، ليس هم من يُعتقلون ويموتون تحت التعذيب، ليس هم من يُهجّرون، هذه وجوه وأسماء فلسطينية ونعرفها جيداً، يا «رفيقة» أعرف أهالي المخيمات وأنا منهم، هم يشبهون مخيمهم وفلسطين أكثر سيادتكِ ومن كل قيادة جبهتك الشعبية.

تنهي ليلى حديثها عن الموضوع السوري في القول بأن أحد الاستهدافات في سوريا هو المخيم لإنهاء حق العودة، هذا كله مخطَّط يستهدف الدولة السورية. الحقيقة هنا يا «رفيقة» أن مخطط إنهاء حق العودة يتم فعلاً لكن بقتل الفلسطيني في المخيمات، فلا يطالب الميّت بحقه، واسألي ابن المخيم عن قاتله.

لا تزيدي على ذلك دخيلك، قد نتقبّل تحطيماً ذاتياً لأيقونة ما، أما التمثيل الذاتي فيصعب تقبّله.

لو أنكِ فقط تركتِ المكتب السياسي في الجبهة لباقي الانتهازيين! لو أنك فقط اعتكفتِ على توثيق التاريخ الجميل للجبهة التي تتسارع في انهياراتها منذ تركها الحكيم، منذ ابتعدتم عنه!

في القدس العربي 

alquds-hazihi

الصورة من صفحة الشعب السوري عارف طريقه 

ما تفوّهت به ليلى عن سوريا يبدأ من الدقيقة 13

 

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

1 Comment

  1. فعلاً يجب دراسة ظاهرة كيف تنقلب الرموز على نفسها من عرفات إلى ليلى خالد مروراً بعشرات المناضلين “سابقاً” وهؤلاء أعتقد أن الظروف صنعتهم وألبستهم هذه الحلة الكاريزماتية اي أنهم أناس أقل من عاديين لكن وجدوا أنفسهم في غير مكانهم ثم ما لبثوا أن عادوا إلى حقيقتهم ..وجروا وراء مكاسب شخصية ..
    بالنسبة إلى الرفيقة ليلى خالد أحب أن أضيف أنها المسؤولة عن ملف اللاجئين في الجبهة .. رغم أنها (وهذا موثق في لقاء معها) أنا لا تعرف شيئاً عن اللاجئين في المخيمات

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s