سينما
اكتب تعليقُا

«الأعشاب المتألمة»

لم يحن الوقت ربما لإنتاج أفلام تتناول الثورة السورية التي تدخل هذه الأيام سنتها الثالثة، والمستمرة بزخم قد يفوق جميع ما مرت به من مراحل. أما الأفلام التي تتناول مرحلة معينة من هذه الثورة، فهذا أمر آخر، وهو ما قامت به المخرجة البرازيلية/الكورية إيارا لي في فيلمها الوثائقي «الأعشاب المتألمة: عندما تتقاتل الفيَلة، فإن العشب الذي يتألم».

لا يحكي الفيلم عن الثورة السورية، بل عن مراحله الأولى، عن مراحله السلميّة تحديداً مقدّماً بوادر المقاومة المسلحة والانشقاقات الأولى التي ولّفت الجيش الحر، إضافة إلى نقله مخيمات اللاجئين في تركيا مصوّراً، قبل معاناتهم، إصرارهم على العودة إلى قراهم ومدنهم وقد حُرّرت من احتلال جيش النظام كما يقولون. ثم ينقل بعض ردود أفعال الناس العاديين في الغرب حين يُسألون عن الثورة واللاجئين، وهو ما لم يعرفه أحدهم، كما ينقل في المقابل تظاهرات أممية للتضامن مع السوريين وثورتهم.

إيارا المؤيدة لأساليب النضال السلمية من حيث المبدأ، بغض النظر عن القضية، تقول بأنها لاقت صعوبة أثناء المونتاج في التقرير بشأن المساحة التي تمنحها في الفيلم لمؤيدي عمليات الجيش الحر، لكنها في النهاية نقلتها كما نقلت صوراً لعناصر الجيش الحر في حمص وغيرها موضّحة بأنها نتيجة منطقية للعنف الذي يمارسه النظام على المدنيين، وهو الرأي الغالب بين اللاجئين هناك.

تقول إيارا لـ «المدن» عن تصويرها في مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا أن العقبة الأساسية في ذلك كانت الإجراءات البيروقراطية التركية التي أخّرت التصوير ثم الحراسة الأمنية المشددة على المخيمات والتضييق على الزائرين غير الرسميين، مثلها. أما بخصوص اللاجئين أنفسهم، وبعد الوصول إليهم، فلم يترددوا إجمالاً في الحديث عن تجاربهم المريعة مع النظام وأوضاعهم الحالية، والسابقة تحت القصف وهجمات النظام وقواته كما أخبرتنا إيارا في الحوار معها عن الفيلم. وكان معظم من قابلتْهم من الناشطين السلميين ممن اضطروا للجوء إلى تركيا، وآخرين ممن شاركوا في العمليات المسلحة للجيش السوري الحر.

إيارا المؤيدة لأساليب النضال السلمية من حيث المبدأ، بغض النظر عن القضية، تقول بأنها لاقت صعوبة أثناء المونتاج في التقرير بشأن المساحة التي تمنحها في الفيلم لمؤيدي عمليات الجيش الحر، لكنها في النهاية نقلتها كما نقلت صوراً لعناصر الجيش الحر في حمص وغيرها موضّحة بأنها نتيجة منطقية للعنف الذي يمارسه النظام على المدنيين، وهو الرأي الغالب بين اللاجئين هناك.

هدف إيارا الأساسي كمخرجة وثائقية هو تحريض الناس على العمل من أجل أن يسود السلام والعدالة في هذا العالم، وهي تسعى لذلك من خلال أفلامها، محاولةً إقناع الناس بأن يقوموا بشيء لا أن يكتفوا بالنقاش حول علل المجتمعات ومدى حاجاتها للعدالة. والأفلام الوثائقية من الوسائط الأكثر فعالية في إيصال حقائق لأناس لم يعرفوا شيئاً عنها، والأهم أن تطرح هذه الوثائقيات أفكاراً لممارسات وأنشطة يمكن للمشاهدين أن يكونوا فاعلين من خلالها، وهذا ما نلحظه في «الأعشاب المتألمة» حيث تسعى المخرجة لحث المشاهدين، في الغرب تحديداً، على التفكير جدياً بالوسائل الأنسب التي يمكن أن يخدموا بها هذه الثورة، أكانت إنسانية أو سياسية أو فنية ثقافية كما تؤكد.

في فيلمها الأول «ثقافات المقاومة»، تقدّم إيارا لي مقدّمات متتالية عن قضايا ونضالات لم يسمع بها كثيرون، وتحديداً قضايا أميركا اللاتينية وإفريقيا، فيلم كهذا لا بدّ من مشاهدته كدليل ننتقل من خلاله لمعرفة المزيد عن أي من هذه القضايا، هذا ما حاولتْه إيارا في فيلمها، ثم هذا ما حاولتْه لاحقاً في فيلمها الأخير عن الثورة السورية، كونه فيلم موجّه للمشاهد الغربي بالأساس، وتحديداً المشاهد الذي لم يسمع بأن هنالك ثورة في سوريا، ولاجئين تقول الأمم المتحدة أن عددهم وصل اليوم إلى المليون.

يحتوي الفيلم على الكثير من البديهيات لمشاهد عربي، قد يكون رتيباً في حديثه عن بدايات الثورة تحديداً، في كيفية مقاربة مراحل تطور هذه الثورة، لكنه أساسي لمشاهدين كمن التقت بهم إيارا في شوارع أوروبا تسألهم عن الثورة واللاجئين، لم يعرف معظمهم عما يحصل في سوريا، بل هناك من لم يعرف أين تقع دمشق.

ربما تجنب الفيلم الاسهاب في النضال المسلح، ليركز على المقاومة السلمية والثقافية في المقابل، لم يكن ذلك صعباً كونه يتحدّث عن السنة الأولى من الثورة التي بدأت سلمية واستمرّت بذلك إلى حين، بل إلى اليوم في بعض أوجهها وبشكل واسع. لكن مادة الفيلم، اللاجئين تحديداً، كان لهم مقاربة مختلفة نوعاً ما، كانوا ببساطة يسألون: ما الذي يمكن أن نفعله إذن؟ اليوم، وفي المراحل المتقدمة من هذه الثورة، لم يعد السؤال يُطرح بهذه الطريقة، والجواب بطبيعة الحالي صار حاسماً.

——————–

عُرض الفيلم في العديد من البلدان والمهرجانات والمراكز الإنسانية والثقافية كـ أمنستي وبينك كود وغيرها، أما هذا الشهر (آذار/مارس) فيُعرض في أكثر من مهرجان، في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وأندونيسيا وغزة.

في المدن

ترايلر الفيلم

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s