أدب
اكتب تعليقُا

مقاسات الذاكرة القصوى

«بيروت صغيرة بحجم راحة اليد» لأمجد ناصر

amjadnasser3411

بعد ثلاثين عاماً من كتابتها، يُخرج أمجد ناصر يومياته التي وثّق بها تفاصيلاً حياتية أقرب إلى الموت في أي من لحظاتها، تلك التي كتبها خلال الحصارالإسرائيلي لبيرت عام ١٩٨٢ قبل خروج منظمة التحرير من المدينة واجتياح الجيش الإسرائيلي لها. الكتاب الذي صدر مؤخراً عن دار الأهلية للنشر في عمّان، يشمل إضافة لليوميات، نصوصاً من الحصار كتبها ناصر لإذاعة فلسطين التي كان مسؤولاً عن برنامجها الثقافي، إضافة لقصيدة مشتركة لمحمود دوريش ومعين بسيسو وأخرى لسعدي يوسف كان قد أشار إليهما في سياق يومياته. ينتهي الكتاب (٢٢٤ صفحة) بنص سردي طويل للمؤلف هو «العودة إلى الفردوس المفقود» والذي كتبه إثر زيارته الأولى للمدينة بعد ١٤ عاماً من خروجه منها، كباقي فدائيي منظمة التحرير حينذاك.

في «بيروت صغيرة بحجم راحة اليد» يقدم ناصر إحدى أهم الكتابات التي تناولت الحصار الإسرائيلي لبيروت والذي دام لما يقارب الثمانين يوماً دوّنها من ٨ حزيران إلى ٢٤ آب. تكمن تلك الأهمية في أنها ليست كتابة استعادية تُكتب بعد الحدث بزمن، فيكون أولاً مما تحفظه الذاكرة وثانياً خاضعاً لمفاهيم ومعايير ونتائج وتحليلات تلي الحدث ذاته تقتل طزاجة النصوص وتؤثر (رجعياً) على حقائقها، نتكلم عن يوميات كُتبت في خضم الحدث، الحصار والقصف والموت المنتشر في الأجواء، يوميات من (وليس عن) الحصار. نصوص لحظية غير معنيّة باعتبارات ومجاملات ما يمكن أن يُكتب لاحقاً عن الحدث. نصوص كأنها أتتنا من هناك عبر آلة الزمن، أو كأن الزمن توقف في حالة Pause لثلاثين سنة لتأتينا الآن من هناك برائحة البارود وأصوات الانفجارات وقرقعة الكلاشنات في صفحاتها.

لم يُكتب الكثير عن حصار بيروت، أذكر الآن كتاب رشاد أبو شاور «آه يا بيروت»، وهو كذلك يوميات من الحصار ببنية أقرب للرواية. لكن رغم هذا الكم الهائل من الأدباء الحاضرين في بقعة محصورة ومحاصرة جغرافياً هي بيروت الغربية، في زمن حصار متواصل وحرب يقصف فيها الجيش الإسرائيلي هذه البقعة ليل نهار، لم تحوِ المكتبات ما تستحقها هذه التجربة التاريخية، المحرِّضة كتابياً، من أعمال قد تفي المدينة المحاصرة حقها

في اليوميات نقرأ من المقاتل الماركسي في «الجبهة الشعبية» ابن السابعة والعشرين، والشاعر (غير الماركسي) الذي بدأ جديداً عمله في إذاعة فلسطين، وقد أتى من المفرق في الأردن إلى بيروت حاملاً أحلامه وقصائد تنتظر النشر، نقرأ عن أسماء لا يعرف الكثير أنها عاشت فعلاً في بيروت المحاصرة، وأخرى كدنا ننساها أساساً. في الكتاب نعرف جوانب حياتية إنسانية لأشخاص شاركوا ناصر أيام الحصار وبالتالي يومياته، منهم أبو عمار وأبو جهاد الوزير ومعين بسيسو وميشيل النمري ونبيل عمرو وعلي فودة وغسان زقطان ورشاد أبو شاور وسعدي يوسف وغالب هلسا وحيدر حيدر ومحمود درويش وآخرون نجدهم في يوميات يسرد فيها ناصر آراءه ومشاهداته في مكاشفات بررها الحصار والحرب على بيروت، بكل ما يجلبانه من محكّات تنكشف الناس عليها، مرغمين، بعضم أمام بعض.

في القسم الأخير من الكتاب، «العودة إلى الفردوس المفقود! أو لست راعي الذكرى ولا مدبر شؤون الحنين»، يكتب ناصر عن بيروت الجديدة، تلك التي نفضت عنها ثوب فدائيي منظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية، ليجدها في لبوس قد لا يليق ببيروت التي ألفها، هو من ناحية نفوذ حزب الله وملصقات رموز الثورة الإسلامية في إيران المنتشرة على جنبات طريق المطار، ومن ناحية أخرى المال السياسي الخليجي ومشاريع الحريري محكِمة خناق المدينة اقتصادياً وبالتالي سياسياً.

لم يجد ناصر الذي زار المدينة في ١٩٩٦ وكتب هذا النص، لم يجد في المدينة الشوارع ذاتها، ولا المقاهي ولا الأبنية بمعظمها، ولعل أكثر ما تغير عليه هو الناس في بيروت، التقائه بعباس بيضون حينها هوّن عليه استيعاب هذا التغيير في البنية الفوقية والتحتية للمدينة. أيام وانتهى من المؤتمر الذي دُعي إليه فغادر بيروت إلى مغتربه في لندن.

لم يُكتب الكثير عن حصار بيروت، أذكر الآن كتاب رشاد أبو شاور «آه يا بيروت»، وهو كذلك يوميات من الحصار ببنية أقرب للرواية. لكن رغم هذا الكم الهائل من الأدباء الحاضرين في بقعة محصورة ومحاصرة جغرافياً هي بيروت الغربية، في زمن حصار متواصل وحرب يقصف فيها الجيش الإسرائيلي هذه البقعة ليل نهار، لم تحوِ المكتبات ما تستحقها هذه التجربة التاريخية، المحرِّضة كتابياً، من أعمال قد تفي المدينة المحاصرة حقها، وقد ذكر أمجد ناصر ذلك في كتابه، إلا أنه ساهم بـ «بيروت صغيرة بحجم راحة اليد» في ردِّ جميل لبيروت.

في الدوحة الثقافية

aldoha-berutsaghira

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s