سينما
اكتب تعليقُا

سينما فرنسية .vs لوبي إسرائيلي

 شاركت في إجراء الحوار وترجمتْه: أسمى العطاونة

utopia8643746

آن ماري فوكون، مؤسسة ومديرة السينماتيك

تعرّف «أوتوبيا» نفسها، ويعرِفها المجتمع الفرنسي، بأنها سينما للفنون، أو بديلة أو مستقلة، أو تحديداً: سينما رأي. لا ينحصر دورها في عرض الأفلام وإنما في انتقائها وفق معايير أخلاقية وثقافية وسياسية، وتقديمها للفيلم قبل عرضه، واستضافتها مخرجين ونقّاد في ندوات سينمائية ثقافية لا تخلو من السياسة، وإصدارها دوريّة سينمائية…

لم نجد صعوبة كي نلتقي بآن ماري فوكون وزوجها، مؤسّسَي سينماتيك «أوتوبيا» المنتشرة صالاتها في ٥ مدن فرنسية من بينها تولوز، وهنا في هذه المدينة الأوكسيتانية، قرب ساحتها الرئيسية، الكابيتول، في أحد المقاهي المقابلة لصالة تولوز، سبقانا (رغم اتصالهما الاعتذاري المسبق بأنهما قد يتأخرا) لإجراء لقاء قالوا بأنه الأول الذي سيجريانه لصحافة عربية لم تكترث بالكتابة عن قصتهم مع الفيلم الإسرائيلي وما لحقها من مضايقات.

بداية كان الحديث عن الاسم الذي استُوحي من رواية توماس مور الشهيرة «يوتوبيا» والتي يحلم فيها بمجتمع مثالي لا نجده في عالمنا، تسوده العدالة والمساواة، وهي الأفكار التي انطلقت منها هذه السينماتيك، وقد احتضنت حركات ثورية عدة كما سنعرف بعد قليل.

كانت آن ماري تعمل في مستشفى أمراض عصبية وزوجها طالب يدرس التاريخ حين قررا أن يؤسسا لمشروع سينمائي يحققان من خلاله رؤيتهما للسينما كأداة محفزة للتفكير بأسلوب مختلف، فكانت «أوتوبيا». الصالة الأولى التي أسساها كانت في آكس آن بروفانس في الجنوب الفرنسي عام ١٩٧٢، في صالة كانت للرهبان، ومع أيامها الأولى فتحت أبوابها، كما للأفلام المستقلة، للاجتماعات السرية للحركات السياسية والاجتماعية، من تلك التضامنية مع القضية الفلسطينية إلى الحقوقية المعنية بالمثليين، وهي الحركات التي بدأت تتشكل في حينها، إضافة إلى اجتماعات منظمي الاضرابات ومناصري حق الاجهاض وغيرها.

بدأت السينماتيك بصالة صغيرة لكن بمشاركة تأسيسية من الناس، في دفع فواتير الكهرباء مثلاً، ساعدت في استمرارية الصالة في سنواتها الأولى. مع الأيام وتوضّح هوية «أوتوبيا» بدأت تشتد ضغوطات المتدينين المسيحيين عليهم كون الصالة كانت مكاناً للرهبان وأخذاً بعين الاعتبار نشاطات الصالة غير المقبولة لديهم، إلى أن عرض عليهم يهودي أميركي يساري راديكالي كما عرّفت عنه آن ماري، صالة له في مدينة أفينون شرقاً، وهي المعروفة قديماً بـ «مدينة الباباوات»، ليقيموا صالتهم هناك عام ١٩٧٦.

المحرض للقائنا بآن ماري فوكون وزوجها كانت قصة الفيلم الإسرائيلي التي شغلت كثيرين في الوسط الثقافي والسياسي في فرنسا منذ حزيران/يونيو ٢٠١٠. بدأت القصة حين نشرت «أوتوبيا» في دوريتها «لا غازيت» برنامج الأفلام المقرر عرضها الشهر اللاحق، ومن بينها فيلم إسرائيلي اجتماعي كوميدي، وفي هذه الأثناء اعتدى الجيش الإسرائيلي على ٦ سفن تضامنية متجهة إلى غزة عُرفت باسم «فلوتيلا»، فقرروا حينها تأجيل الفيلم، لا إلغائه، واستبدلوه بفيلم «راشيل»، وهو وثائقي أخرجته سيمون بيتون، الفرنسية الإسرائيلية من أصول مغربية، يتناول قصة الناشطة الأميركية راشيل كوري التي قتلتها دهساً جرافة إسرائيلة بعد محاولة راشيل منعها من هدم أحد البيوت في غزة.

الحملة الإعلامية ضدهم بدأت بعد ذلك التأجيل مباشرة حيث كتبت معظم الصحف هناك بأن «أوتوبيا» تقاطع السينما الإسرائيلية. جريدة «لوموند» مثلاً، كتبت افتتاحية مليئة بالشتائم تقول آن ماري. فقط «نيويورك تايمز» كتبت عن الموضوع بحيادية. ونقلت الصحيفة الأميركية عن افتتاحية «لوموند» بأنها سمّت المقاطعة رقابة وأنها تأتي ضمن نزعة خطيرة لمهرجانات ثقافة عدة في فرنسا تعمل على حظر العديد من الفنانين الإسرائيليين إضافة إلى أن العديد من الفنانين الغربيين باتوا يميلون لمقاطعة إسرائيل، من الصعب الدفاع عن مهاجمة «فلوتيلا» لكن المقاطعة هذه غير مقبولة، كتبت «لوموند».

بالعودة إلى آن ماري، لم يكن هنالك صحافة عربية تتناول الموضوع. عالمياً، «نيويورك تايمز» فقط هي التي كتبت، وذلك لأن الصحافي كان يعرف هذه السينماتيك مسبقاً كما يعرف راشيل وقصتها جيداً. وفوق ذلك فقد وصل لآن ماري رسالة من وزير الثقافة آنذاك فيديريك ميتيران يستنكر مقاطعتهم للسينما الإسرائيلية. تستغرب آن ماري أن أحداً لم يقف معهم من الصحافة الفرنسية بما في ذلك صحيفة «لومانيتيه» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الفرنسي.

توجهت بعد ذلك آن ماري إلى الصحافة لتوضح أنهم لم يقاطعوا وإنما أجلوا عرض فيلم استبدلوه بآخر بسبب الأحداث السياسية، وذلك بتوافق مع مواقفها تجاه ما يحصل في فلسطين وهذا حقها، واضطرها الأمر لشراء صفحة كاملة بقيمة ٩٠٠٠ يورو في صحيفة «ليبراسيون» المحسوبة على اليسار، وفيها عرضت آن ماري رسالة أتتها من مثقفين إسرائيليين متضامنين معها، وكان ذلك كافٍ للمنظمة اليهودية الأكبر «كريف: المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا» لتصعّد من تضييقاتها على «أوتوبيا»، وقد صرّح رئيسها ريشار براسكيير بأن حظر الفيلم من قبل السينما هو إشارة أخرى لتنامي نداءات «نزع الشرعية» عن إسرائيل بين المثقفين في فرنسا. و«الكريف» أصحاب نفوذ قوي على هذه الجريدة التي نشرت مادة آن ماري دون علمٍ مسبق منهم. تعلّق مؤسِّسة السينماتيك في حديثها هنا مستغربة مصدر كل هذا النفوذ لليهود في الصحافة والإعلام الفرنسي.

تحتفل «أوتوبيا» هذا الشهر (آذار/مارس) بمرور عشرين عاماً على صالتها في تولوز، وعشرة أعوام على صالتها في تورنوفاي، وسيتوجهون للصحافة الفرنسية في ملف كامل عن التضييقات التي تعرضت لها بسبب موقفها السياسي والأخلاقي والثقافي تجاه فلسطين وقضيتها وهو ما يتوافق والمبادئ التي قامت عليها السينماتيك في سبعينيات القرن الماضي، وما استمرت عليه، تجاه القضايا العادلة والحركات الثورية، وكل ما ومن يحلم ويسعى لمجتمع تسوده العدالة والمساواه، ما أوحى لهم بتسمية «أوتوبيا»، في الأساس. 

في خضم ذلك، وفي أحد الأيام، لم يعلموا في «أوتوبيا» بتنظيم مظاهرة احتجاجية أمام صالتهم في تولوز إلا قبل ساعتين من موعدها، إلا أنهم تمكنوا من تجميع متضامنين فرنسيين وعرب فاق عددهم عدد اليهود والصهاينة الذين تفوهوا بكل ما لديهم من عنف لفظي آنذاك. وحين سألتُها عن أي جهات فلسطينية أو عربية ساندتهم أجابت بالنفي، لم تقف معهم أي منظمة عربية بما فيها المفوضية الفلسطينية التي لم تتكلف برسالة تضامنية حتى أو مكالمة هاتفية، تقول آن ماري بأسف، وذلك رغم أنهم أقاموا لليلى شهيد ندوتين منفصلتين قبل حادثة الفيلم، هم يعلمون بـ «أوتوبيا» ويقرأون الصحف الفرنسية.

في مفارقة مضحكة تحكي آن ماري كيف هتف الصهاينة بأنهم يطالبون بتحرير شاليط، الجندي الإسرائيلي الأسير في غزة، فما علاقة ذلك بـ«أوتوبيا» أو بقصة تأجيل الفليم أصلاً؟ وتقول بأن المتظاهرين المتضامنين صاروا في المقابل يهتفون بالحرية لأحمد سعدات القيادي الفلسطيني.

في «أوتوبيا» يعرضون أفلاماً إسرائيلية أكثر مما تعرضه صالات أخرى في فرنسا، إلا أنها من اليسارية والمتضامنة مع الفلسطينيين، والتي كثرت في السنوات الأخيرة، تقول آن ماري، وحين يعمّم «الكريف» لليهود في فرنسا بأن لا يحضروا أفلاماً في صالاتنا تزداد نسب اليهود بدل أن تنقص.

تختار «أوتوبيا» أن تعرض أفلاماً بديلة غير تجارية، بمواضيع عدة من بينها وثائقيات عن البيئة مثلاً، وغيرها ما يمكن أن يحرّض الناس على التفكير وتنشيط وعيهم، رغم ذلك تحقق أرباحاً يفوق في بعض الأحيان ما تحققه الصالات السينمائية التجارية والكبيرة، وهنا تذكّر آن ماري بشعار السينماتيك وهو «لا يمكن أن نحب ما لا نعرفه»، الناس موجودة ولا مانع لديها من مشاهدة أفلام جادة كالتي تعرضها، لكنها تنتظر من يعرضها لها.

أردنا أن ننهي لقاءنا بالسؤال عن السينما العربية. بعد تردد وارتباك، أجابا بأن ليس هنالك سينما فلسطينية أو عربية، هنالك أفلام لكن ليس سينما. عرضوا مرة فيلماً فلسطينياً وذكروا في دوريّتهم عبارة «ميليشيا يهودية» وأن أشكال أعضائها تشبه «السكوبي دو» موحية بسخفها، فكتب أحد اليهود عنهم في صحيفة «لوفيغارو» اليمينية بأنهم ضد السامية وعنصريين ونازيين جدد، فرفعوا عليه دعوى في إحدى محاكم باريس وربحوا القضية. من بين المخرجين العرب الجديين ذكرا لنا يوسف شاهين الذي عرضوا له مؤخراً فيلم «المصير» ليعرف الناس في فرنسا عن ابن رشد كصورة نقيضة لصورة المسلم النمطية عندهم.

تقول آن ماري دون تردد: نعم نحن يساريون، وقد نكون راديكاليين، ومن بين ما نسعى إليه في «أوتوبيا» هو توحيد اليسار الفرنسي المبعثر، من خلال السينما واستضافة مؤتمراتهم وغيره، ونعم نحن نبيع زيت الزيتون الفلسطيني ويقبل عليه الكثير من مرتادي صالاتنا، ونعم نرفض عرض أفلام ثلاثية الأبعاد بل واخترنا شعاراً لدوريّتنا هو «مضمون، بدون ثلاثي أبعاد»، كأنها علامة جودة أن تخلو أفلامهم من الـ 3D.

تحتفل «أوتوبيا» هذا الشهر (آذار/مارس) بمرور عشرين عاماً على صالتها في تولوز، وعشرة أعوام على صالتها في تورنوفاي، وسيتوجهون للصحافة الفرنسية في ملف كامل عن التضييقات التي تعرضت لها بسبب موقفها السياسي والأخلاقي والثقافي تجاه فلسطين وقضيتها وهو ما يتوافق والمبادئ التي قامت عليها السينماتيك في سبعينيات القرن الماضي، وما استمرت عليه، تجاه القضايا العادلة والحركات الثورية، وكل ما ومن يحلم ويسعى لمجتمع تسوده العدالة والمساواه، ما أوحى لهم بتسمية «أوتوبيا»، في الأساس.

في القدس العربي

alquds-utopia

الصورة أعلاه التقطتها أمام صالة تولوز، أما التالية ففي كل من تولوز وتورنوفاي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s