سينما
اكتب تعليقُا

الكتب وقراءتها: الكترونياً / ورقياً

قبل ثلاث سنوات في ٢٠١٠، مع ظهور الآيباد تحديداً، بدأ قسم لا يُستهان به من القرّاء بالتوجه إلى الكتب الالكترونية تاركين كتبهم «الحقيقية» على الأرفف لتكتفي بوظيفة «ديكورية». وإن لم يبدأ الأمر تماماً جهازُ شركة آبل الثوري، فقد سبقته إليه شركة أمازون بمنتجها كيندل في ٢٠٠٧، والمخصص للقراءة، كما أن فكرة قراءة الكتب الالكترونية أساساً بدأت بالتطور والاحلال محل القراءة المألوفة للكتب منذ زمن عبر شاشة الكمبيوتر المكعبيّة، فاللابتوب، فالجهاز اللوحي (تابليت)، والصحيح أن الفكرة لم تتبلور كمرحلة انتقالية جادّة في كيفية القراءة عند الناس إلا مع ظهور الآيباد.

مؤخراً صار بالإمكان رؤية عدة أجهزة لوحية في المحال الالكترونية، المحال غير ذات الصلة بالكتب والقراءة والثقافة إجمالاً، من سامسونغ إلى سوني إلى آبل التي أنتجت حديثاً آيباد-ميني، بحجم كتب القطع المتوسط تقريباً والأنسب من سابقه كجهاز للقراءة، إلا أنها جميعها ليست مكرسة للقراءة الالكترونية، بل لعل هذه الميزة، أو هذا التطبيق، يعد من آخر هموم الشركات المنتِجة، وهي شركات معنية بالاتصال وتكريس التكنلوجيا لكافة أشكاله، من التلفون إلى الانترنت بكل التطبيقات الممكنة وغير الممكنة حتى.

في المكتبات كذلك، صار بالإمكان رؤية أجهزة لوحية، لعل أبرزها هنا أجهزة كيندل كونها مكرسة للقراءة. صار هنالك أرفف خاصة لأجهزة الكترونية كهذه بين أرفف الكتب في المكتبات، أي أن هذه الأجهزة أتت إلى عقر دار الكتب المطبوعة واحتلت جزءاً من أرففها. شركة أمازون تأسست على بيع الكتب الكترونياً، الكتب المطبوعة التي تُشترى ببطاقات الائتمان عبر موقعها الالكتروني لترسلها عبر البريد إلى مشتريها، هذا قبل تفشّي الكتب الالكترونية، فحتى زيارة المكتبات التي باتت الآن مجبرة على استقبال ألواح الكترونية بين أرففها، خضعت لتهديدات أمازون التي توصل الكتاب إلى بيت القارئ، فتحدّ من ممارسة وثقافة التجول في المكتبات والمرور بالعديد من الكتب قبل اختيار أحدها لاقتنائه. مع أمازون أصبح الكتاب سلعة خاضعة لمنطق الشراء بالفيزا عبر الشاشة الصغيرة، ومعها أُغلقت العديد من المكتبات.

والأهم من كل ذلك، للكتاب احترامه، لا بد من حيز خاص به في المساحة المحيطة، لا شيفرات رقمية في ألواح قد تتعطل وتنمحي مئات الكتب بداخله. أي مأساة قد تحل بأحدنا لو لسبب ما أُتلف أو أُحرق مائة من كتبه؟ هل الشعور بالمصيبة ذاتها يلحقنا إن بكبسة خاطئة مُحيَت المائة كتاب نفسها في جهاز الكتروني؟

هل تنطبق الفكرة ذاتها على الكتابة؟ كانت المقالات تُكتب قبل زمن على الآلة الكاتبة المكرسة للكتابة وفقط الكتابة، أو بالقلم طبعاً والذي أُوجد أول ما وُجد في هذا الكون للكتابة. الأمر اختلف منذ سنين، فكثير من الكتابات (أو معظمها) تُنجز وتُحرّر الآن بالنقر على لوح المفاتيح، ليس لوح الآلة الكاتبة المصنوعة لهذه الغاية، بل لوح الكمبيوتر المصنوع لألف غاية قد تكون إحداها الكتابة، أحكي ذلك بكل أسف كون الكتابة والقراءة يخسران شيئاً فشيئاً الأدوات المكرسة لهما، أقول بكل أسف لأني بتّ ممن تتعب أصابعهم بعد السطر الخامس كتابةً بالقلم، رغم أن الأصابع ذاتها لا يتعبها النقر على الكيبورد حتى الصباح.

القراءة كذلك مهددة بخسارة «الأداة» المكرسة لها، أي الكتاب (وحتى الصحف والمجلات). صارت القراءة ممارسة ملحقة بأجهزة لا تُعنى كثيراً بها، التطبيقات المكرسة لقراءة الكتب الالكترونية أو كتب الـ بي دي إف صارت في آخر اللائحة أمام تفشي تطبيقات ترفيهية، كشبكات التواصل الاجتماعي: فيسبوك وتويتر وواتس-أب وغيرها.

لست هنا للحكم أيهما أفضل، قراءة الكتب عبر الأجهزة اللوحية (أو الـ إي-ريدر) أو من الكتاب المطبوع. البعض يفضل الهروب من الورق، من الغبار الذي لا بد من نفضه عن الكتب (شخصياً أستمتع بذلك)، من العبء الذي يشكله حجم ووزن الكتاب في الحقيبة أو حتى في الصناديق إن قرر أحد الانتقال أو السفر. هنالك من يفضل أن يحوي كل ما يخصه في جهاز لوحي خفيف ورقيق وبجودة شاشة إتش دي وبكل ما توفره هذه الأجهزة من مغريات تقنية للقارئ، طبعاً عدا تطبيقات الألعاب وتصفح الانترنت وفيسبوك ولائحة لا تنتهي من الميزات، لن ألوم أحداً على ذلك.

إلا أني شخصياً، إن سمحت لنفسي بالإدلاء بما قد أتشاركه وآخرين، وإن تعودت ومن ثم أُجبرت على الكتابة عبر الكيبورد، إلا أني لم أصل إلى المرحلة التي سأفضّل فيها قراءة الكتب عبر الشاشة، وأتمنى أن لا أصلها. لن أتقبّل بسهولة القراءة فقط عبر جهاز مكرس لألف وظيفة من بينها القراءة، الجهاز الذي قد تموت بطاريته فينطفئ وتنقطع قراءتي لأسباب كهرو-الكترونية، أو أن تقفز لي النوتيفيكيشن بين لحظة وأخرى: تعليق في فيسبوك، منشن في تويتر، رسالة في الجي ميل…

الكتاب عند كثيرين نص وورق يطبع عليه النص، وغلاف يناسب النص والعنوان. له ملمسه ورائحته وصوته، حتى صوت الورق الذي يصدر أثناء تصفح الكتاب الالكتروني عبر سماعة اللوح الكهرومغناطيسية يقلد صوت الورق الحقيقي بفشل، به كآبة وبرودة الصوت الالكتروني، والصوت ذاته يتكرر كلما قلبنا صفحة، ما يسبب عندي ضيقاً في التنفس! والأهم من كل ذلك، للكتاب احترامه، لا بد من حيز خاص به في المساحة المحيطة، لا شيفرات رقمية في ألواح قد تتعطل وتنمحي مئات الكتب بداخله. أي مأساة قد تحل بأحدنا لو لسبب ما أُتلف أو أُحرق مائة من كتبه؟ هل الشعور بالمصيبة ذاتها يلحقنا إن بكبسة خاطئة مُحيَت المائة كتاب نفسها في جهاز الكتروني؟

قلت أني لن أحكم لكني لن أستطيع إخفاء انحيازي للكتاب، لا لملف الـ بي دي إف مثلاً، انحيازي للتجول في المكتبة بين الكتب لتقليبها واختيار أحدها بعد متعة وعناء البحث عنه، لم أهضم فكرة اختيار الكتاب من موقع الكتروني لشرائه، أو عبر تطبيق خاص بأجهزة كيندل حيث تتيج أمازون شراء الكتب عبرها بتطبيقات خاصة. لم أجد أي احترام للكتاب في اعتباره سلعة تُشترى لا أكثر. لن يسهل عليّ وعلى كثيرين التخلي عن الفترة المخصصة للقراءة دون تدخلات «إنترنتيّة»، ولا عن «الأداة» المخصصة لهذا الفعل، وهو الكتاب مطبوعاً، أقول ذلك كقارئ أولاً، ثم ككاتب يساهم في انتاج الكتاب بطريقة ما.

لا نعرف كيف سيكون عليه حال الكتب والقراءة مستقبلاً، بعد عشرين سنة مثلاً، لكني واثق من أن الكتب المطبوعة التي عرفها الناس منذ الأزل لن تلغيها أجهزة الكترونية طرأت قبل سنتين أو أكثر، ومهما تتوصل إليه هذه الأجهزة من تقنية ومن وظائف وتطبيقات وتسهيلات، الكتاب المطبوع في أمان طالما وُجد من يكنّ له الاحترام، بعض دور النشر قد تتحول بشكل كامل إلى النشر الالكتروني، لها منطقها التجاري والربحي، إلا أن الكثير من القراء والكتّاب لن يقبلوا بما يمس احترامهم للكتاب، لن تعوّض إضاءة شاشة الـ إي-ريدر رائحة وملمس وصوت صفحات كتاب ما، والأهم لن يشغل اللوحُ الحيزَ المكاني الذي لا بد أن يستحقه هذا الكتاب وكتب غيره.

في المدن

التقطت جميع الصور مع أسمى في مكتبات تولوز

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s