سينما
تعليقان 2

صورة فلسطينية بامتياز. عن التفاصيل التي ظهرت وتلك التي لم تظهر في الصورة

لحظة ما، تدبير سريع لصورة بورترايت، يمكن أن تحكي طويلاً عن تاريخ شعب، عن ثورته. بتفاصيلها المزدحمة بقصصها، بقصص جميع وكل ما يحوي كادر الصورة، يمكن أن نتأمل طويلاً، كأننا نقرأ تماماً، صورة تحكي عن ثورة كالثورة الفلسطينية المعاصرة، صورة كالصورة التي التقطها يوماً ما، في لحظة ما، المصور البريطاني كريس ستيل-بيرنكنز.

هذه الصورة التي انتشرت على فيسبوك وتويتر بشكل ملفت، تنقل لحظة من تاريخ الثورة الفلسطينية التقطها كريس عبر كامراته دون أي تحضير مسبق، لتكون إحدى اللحظات اليومية الروتينية لهذه العائلة موضوع هذه الصورة. كانت الإضاءة مناسبة كما قال كريس، وكانت الترايبود ترافقه كما الكامرا، فنصبها واقترح عليهم أن يقتربوا من بعضهم ليلتقط صورة بورترايت عادية للعائلة اللاجئة في أحد مخيمات لبنان.

التقطها في أوائل أيلول/سبتمبر عام ١٩٨٢ قبل مجزرة صبرا وشاتيلا بأيام، حين كان يعمل لمجلة «تايم» أو «نيوزويك» حسبما يذكر، وكان همه الأساسي كما قال تصوير حياة الناس في بيروت الغربية، التقاط مشاهد حياتية على هامش الحرب تكون من يوميّات الناس هناك،

في الصورة نرى عشرة أطفال، بعضهم أبناء الفدائي وزوجته، وبعضهم أبناء عمهم، عشرة أطفال في صورة واحدة، بأعمار متقاربة، أصغرهم رضيع، هذا تفصيل فلسطيني بامتياز، كأنه نقلٌ مرئي لما كتبه غسان كنفاني مرة «هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين.. هي تخلف وفلسطين تأخذ». أطفال ينظرون بعيداً، خارج الكادر، أحدهم يحمل صورة كبيرة بإطارها لـ «أبو عمّار» أرادوها أن تشاركهم البورترايت الجماعي كأنها جزء من العائلة، نرى من بينهم طفلاً اختلف عن الآخرين بالمخاط أعلى شفتيه، وبـ «حمامته» وقد أطلق العنان لها في هذا البيت الصغير والمخيم الأصغر. نرى طفلة تحتضن رشاش الـ AK-47 لوالدها، ضمّته بين ذراعيها لتلتقط الصورة به، مبتسمة. الوالد الفدائي يحتضن أطفاله، يبرز نصف ابتسامة وبشيء من الإعجاب بالنفس على الأغلب: سنظهر في مجلة أميركية. لحيته غير المشذبه تشوّش على ابتسامته، شعره «الأجنباوي» المصفّف بعناية بـ«بريلكريم»، نظارته «الإفياشن» التي وضعها على عجل لتظهر معهم جميعاً في الصورة أتت مائلة، بذلته الخاكية «السْلم فيت»، الزر المفتوح من بذلته ليُظهر به دكانة الشعر على صدره، في كل ذلك شيء من الفدائي الحالم، الذي يعيش ثورته، كما أيامه، بكل لحظاتها وأشكالها ومعانيها ومثالياتها. على الجانب الآخر من الصورة نرى زوجته، لم يعنِها أن تكون في الصورة كما قال كريس، بقيت منشغلة بإرضاع طفلها، لم ترتبك، ولم تتظاهر بالارتباك، كانت على طبيعتها، وبتعبير كريس: The mother was totally relaxed, as you can see. على الجدار صور لسيدة قد تكون والدة أحد الزوجين، وصورتان معلقتان لصبيتين قد تكونا شهيدتين ما استدعى تعليق صورتيهما، وهو تفصيل حاضر في كل بيت فلسطيني على الأغلب. تفصيل أخير لا بد منه: الشرشف الزهري، هو كذلك حاضر بين الفلسطينيين.

التقط كريس الصورة قرب «الخط الأخضر» في بيروت، حيث تواجدت عدة عائلات تسكن بيوتاً مهدّمة في معظمها، تهجّروا إليها إثر الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي للمدينة، ومعظم هذه العائلات كانت فلسطينية. التقطها في أوائل أيلول/سبتمبر عام ١٩٨٢ قبل مجزرة صبرا وشاتيلا بأيام، حين كان يعمل لمجلة «تايم» أو «نيوزويك» حسبما يذكر، وكان همه الأساسي كما قال تصوير حياة الناس في بيروت الغربية، التقاط مشاهد حياتية على هامش الحرب تكون من يوميّات الناس هناك، فكان يدور بين الحارات والبيوت وكثيراً ما كان يُدعى لشرب كأس شاي ولدردشة خفيفة. أما في هذه الصورة، فقال كريس بأنه «دعا نفسه» للدخول إلى هذا البيت المهدم جزئياً، فالتقى بالعائلة، وكان كأس الشاي، وكانت الإضاءة جيدة. هذه الصورة وغيرها لهذه العائله وغيرها، نشرها كريس في كتاب بعنوان «بيروت: قصة جبهة».

قصة العائلة قبل التقاط الصورة وبعدها، لم يعرفها تماماً كريس، لا يذكر ما عرفه. لا يعرف ما حل بالعائلة بعد التقاط الصورة بأيام، أثناء المجزرة، وبعد كل المآسي التي لاحقت اللاجئ الفلسطيني منذ النكبة إلى مخيماته في لبنان، ثم إلى مخيماته في سوريا يخبرني كريس، حيث القصص تتشابه.

في المدن

المزيد من الصور | الكتاب في أمازون

 

sorafalastinia1

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

2 Comments

  1. توصيف راقي لصورة قمة في الروعة.

    أعجبني في الصوره كثرة الطباق فيها، الطباق الذي لا يكتمل أحدهما إلا بوجود الآخر
    البندقية والحمامة
    الوليد والبندقية
    المرأة والرجل
    الصغير والكبير
    البعيد والقريب
    الصورة والحقيقة
    صورة الصورة وصورة الحقيقة
    الحامل والمحمول

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s