سياسة
Comment 1

رفيقتي ليلى خالد، كذّبي ما كتبوه!

 انتظرت بعض الوقت كي لا أكون متسرعاً في كتابة هذه الأسطر. خاصة وأنها تخصّ أحد أجمل رموزنا الثورية، فلسطينياً وعربياً وحتى عالمياً. سأكتبها في احتمالين يستدعي كل منهما كتابة نقدية منفصلة لا تحتمل السكوت، لمكانة ليلى خالد ضميرياً في أكثر من جيل، مشرق عربي تحديداً، أولاً، وللحظة التاريخية المستعصية التي وصلتها الثورة السورية وما يستدعي ذلك من مواقف أخلاقية لا تحتمل اللبس، ثانياً.

قبل أيام وصلني بالبريد من صديق شيوعي فرنسي يكبرني بجيلين، يحاول بين فترة وأخرى إقناعي بأن النظام في سوريا ممانع ويقاتل أدوات الامبريالية في سوريا، ومثله كلام بات يمتهنه كثير من اليسار العربي قبل العالمي. أرسل إلي حواراً مؤرخاً بـ ٢٠١٣/١/٢٩، مع المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، بعنوان: البطلة الفلسطينية ليلى خالد تعارض المؤامرة الأميركية في الشرق الأوسط. وبعنوان فرعي خبيث كان السبب في هذه المقالة: نحن نقف مع الجيش السوري والشعب في سوريا.

بحثت عن الموضوع وعن الصحيفة وراسلت المحرّر ورفاقاً مقربين من ليلى، وليلى نفسها دون أن أحظى برد منها، انتظرت ما يزيد عن الأسبوع ثم كتبت هذه الأسطر.

سيبقى افتراضي بتلفيق الحوار أو اللعب الخبيث المأدلج على صياغة بعض الأجوبة قائماً إلى أن ألقى رداً من الرفيقة ليلى، لا من بعض رفاقها المقربين الذين لم يروا في أجوبتها، بعد إرسالي لهم الحوار، ما يستغربوه، لذلك أحكي هنا عن ليلى الرمز الجميل لا القيادية الحزبية.

سأفترض احتمالين لدى كل منهما ما يرجحه على الآخر، أولهما أن الجريدة اليسارية التركية «ليبرايشن» لفّقت الحوار من أساسه، وهو ما أتمناه وما أتمنى أن أعرفه بعد نشر هذه المقالة لأشرشحهم بالقدر الرفيع الذي تحظاه ليلى في خيالنا الثوري. ما قد يرجح هذه الفرضية المتمناه هي، إضافة إلى الصورة القديمة لليلى حيث لا صورة حديثة بجودة عالية قد ترسلها لهم إن كان الحوار عبر الإمايل أو صورة خاصة بالجريدة إن كان الحوار بلقاء شخصي أثناء زيارة ليلى الأخيرة إلى تركيا، ما قد يرجح الفرضية هي أن لا اللهجة ولا السذاجة السياسية ولا الانحيازات الإنسانية ولا الأخلاق الثورية في الحوار تُنسب لليلى خالد التي نعرفها، منها مثلاً الأجوبة المكرّسة لبديهيات فلسطينية لا تحتاج لعضو مكتب سياسي شخصياً كي يهدر حواراً صحفياً عليها: أن إسرائيل تكذب على الناس وتقول بأن أرضنا موعودة لهم من ربهم وما إلى هنالك. وأن أميركا تحميها وكذلك الرجعية العربية، وغيره من الكلام الذي قد يبدو مثيراً ليساري أجنبي وبديهياً رتيباً (صحيحاً) ليساري عربي.

الأمر الآخر هو ما أجابت به (أو كُتب على لسانها) فيما يخص تركيا، سأذكر منها التالي: تركيا تقود المجموعة المدافعة عن إسرائيل، إسرائيل أركعت تركيا، الدفاع الحقيقي عن إسرائيل تنجزه تركيا، حرروا القاعدة الأميركية الأكبر في المنطقة وهي عندكم، اقرأوا كتاب «الشرق الأوسط الجديد»، وغيرها من أساليب الصحافة اليسارية الإرشادية الأبوية تجاه جمهورها، كأن ليلى في هذا الحوار القصير لم تكترث إلا بتوجيهات للقارئ التركي لمناهضة حكومة بلاده، ومعلومات متفرقة سطحية يصح أن تكون في جمل على شكل نقاط منفصلة لاجتماع خلية يسارية تركية حديثة العهد، لا في حديث تلقائي أو جمل تكتمل في فقرات توحي ببعض المنطق السليم لعضو مكتب سياسي.

تكمل الصحيفة على لسان ليلى (أو تكمل ليلى): أنتم الأتراك ونحن في الخندق ذاته ضد الولايات المتحدة. تركيا داعم دائم للامبريالية، ليس للأكراد حقوقاً في تركيا. تركيا تفعل في الأكراد ما فعلته إسرائيل معنا (معقول!). نعم يصدر كلام كهذا عن صحافة يسارية تركية، وأنا بصراحة لدي أزمة ثقة تجاه الصحافة العربية المحسوبة على اليسار، وعلى ما يبدو لن يختلف الأمر كثيراً عند صحافة الرفاق الأتراك. سؤالي هو هل فعلاً تصدر مقارنة كهذه عن ليلى خالد، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (لا اللجنة المركزية كما كتبت الجريدة)؟ وهل ليلى معنية بالشأن التركي إلى هذه الدرجة لتقول كل ذلك في حوار قصير، وهل استضافتها الصحيفة اليسارية لتحكي أساساً عن قضية فلسطين والثورات العربية أم عن الحكومة التركية.

في الشأن السوري (وهنا المحك الأخلاقي) تكتب الجريدة على لسان ليلى بأنهم (أي الامبرياليين حتماً): يريدون أن ينشئوا «الشرق الأوسط الكبير» عبر حروب طائفية ودينية وهذا ما يحصل الآن في سوريا، ما تم فعله بنا كفلسطينيين يتم حالياً فعله بسوريا (معقول!) أصرخ بأعلى صوتي: نحن نقف مع الجيش السوري والشعب في سوريا.

هل خطر لي مرة بأني سأصل إلى يوم أسأل فيه نفسي إن كانت ليلى خالد ستصرخ بأعلى صوتها لتقول أنها تقف مع القتلة؟ كم من الجرأة والألم استلزمني لأفكر بذلك قبل كتابته حتى؟

أما في الإجابة عن وضع الجبهة الشعبية تقول بأنها رغم كل ما لحق بها من اغتيالات واعتقالات تبقى قوية وفي وضع جيد. هذا أيضاً ما سأستصعب تصديقه إن كانت فعلاً نطقت به رفيقتنا.

قلت أفترض بأن يكون الحوار ملفقاً برمّته، أو بمعظمه، بوضوح أقول أن هذه الأجوبة سطحية عاطفية فارغة يمكن لأي مراهق فلسطيني متأثر بستالين أن يصرّح بمعظمها، الصيغة التي كُتبت الأجوبة بها لا تليق حتى بمناشير حزبية. لم أكن لأتكلف بالكتابة عن الموضوع لو أن الحوار كما أتانا كان مع أحد قيادات الجبهة الشعبية، والتي خسرت الكثير من ناسها ومن احترامنا لها، والتي بات وجودها عبئاً على اليسار الفلسطيني والعربي مع قيادة محنّطة كهذه، صار البعض يصفها بالشّبيحة.

ما يهمني هنا فقط ليلى خالد صاحبة الابتسامة الفلسطينية التي وسمت ثورتنا وتاريخنا بما تتمناه جميع الشعوب، ليلى التي، بعد جورج حبش، تمثل عندي وعند كثيرين الإنسان الأشبه بهذا الوطن. لا أتكلم عن عضو قيادي في جبهة تصل خيبتي منها اليوم ما وصله أملي بها في الأمس، بل عن خاطفة الطائرات الجميلة، أحد الرموز المثالية لثورتنا، الرموز التي لا أريد خسارتها.

سيبقى افتراضي بتلفيق الحوار أو اللعب الخبيث المأدلج على صياغة بعض الأجوبة قائماً إلى أن ألقى رداً من الرفيقة ليلى، لا من بعض رفاقها المقربين الذين لم يروا في أجوبتها، بعد إرسالي لهم الحوار، ما يستغربوه، لذلك أحكي هنا عن ليلى الرمز الجميل لا القيادية الحزبية.

أردت في بداية المقالة أن أكتب لاحتمالين، الأول أن يكون الحوار ملفقاً، والآخر أن يكون صحيحاً وتكون ليلى فعلاً أجابت بما قرأناه، سأكتفي بالافتراض الأول لأني أتجنّب حتى التفكير بالآخر، أما إن تبيّن ما يثبت صحته وأن الجريدة لم تكذب على لسان رفيقتنا الجميلة فلي كلام آخر، لأن الجبهة، قديماً، علّمتنا أن لا أنبياء يعيشون بيننا، وأنا ممتن لذلك.

في القدس العربي

Screen Shot 2013-02-12 at 2.11.25 PM

صورة سكرينشت للحوار

leilakh3245

————————————————–

بعد أكثر من شهر على نشر المقالة وفي أربعينية شكري بلعيد، كانت هذه الصورة التي تحكي أن ليلى كانت فعلاً، وما تزال، مع القتلة في سوريا

lelakhaled834758

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

1 Comment

  1. Sho* says

    منذ بداية الثورة في سوريا تجنبت معرفة رأيها .. خوفاً من هدم صورتها النضالية الراسخة في وجداني .. رغم اني توقعتة في الحقيقة كون أغلب اليساريين العرب اليوم للأسف رأيهم بات معروفاً بحق الشعب السوري العادل في العيش .. عموماً صُدمت اليوم وكل ما أريد قوله أن نضالها ضد العدو الصهيوني ناقص .. وان اليسار لو نطق للعن معظم المنتمين اليه .. كن بخير

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s