سياسة
اكتب تعليقُا

حوار مع ماجد كيالي عن الثورة السورية

ليست المخيمات الفلسطينية في سوريا «أغلى» على النظام من المناطق التي قصفها واجتاحها، هذا ما قاله أحد الناطقين باسم النظام يوماً وهذا ما حصل، خاصة في اليرموك. عانى الفلسطيني كما السوري من الدكتاتورية على مر عقود، واليوم يعاني من حالة تحول هذه الدكتاتورية إلى آلة حربية يصفها الكثير من السوريين بأنها قوة احتلال لبلدهم. في هذا الحوار الخاص بـ حرية يخبرنا الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي عن الحالة الفلسطينية في سوريا الثورة، ما لها وما عليها: 

majed82362

بداية، إلى أي حد وبأي شكل يمكن أن يكون الفلسطيني في سوريا معنياً بالثورة الآن؟

لا يمكن الحديث عن وجهة نظر واحدة للفلسطينيين في سوريا، فهم أيضا لديهم وجهات نظر متعددة، وهذا ينطبق على موقفهم من النظام السوري، مع ذلك يمكن القول أن القطاع الأوسع من الفلسطينيين يتعاطى مع النظام انطلاقا من كونه سلطة امر واقع، مثله مثل أغلبية السوريين، لذلك فثمة توجس وقلق وخوف بشأن أي بادرة قد تستفز النظام، وبالأخير فإن الفلسطينيين عانوا ما عاناه السوريون من هذا النظام، أي من تجبره وتسلطه وهيمنته وتدخله في الشأن العام وتقييده للحريات، وامتهانه المواطنين، وسيطرته على الموارد. مع ذلك ثمة بعد خاص ايضا في مشاعر القلق التي تسود اغلبية الفلسطينيين ازاء النظام ناجمة عن اصطدام الوطنية الفلسطينية، التي مثلتها تاريخيا حركة فتح، مع محاولات النظام السوري في تحويل القضية الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية، الى مجرد ورقة في يده، لتوظيفها في تعزيز شرعيته الداخلية، او مكانته الاقليمية، بما في ذلك ابتزاز الاطراف الدوليين والاقليميين والعرب.

مع ذلك ثمة حقائق ينبغي التأكيد عليها في هذا السياق، أولها، أن اللاجئين في هذا البلد، ونسبتهم حوالي 2 .3 بالمئة من سكانه، باتوا جزءاً من النسيج الاجتماعي فيه. ثانيها، أن الفلسطينيين يدركون بأنهم مدينون لشعب سورية في احتضانه لهم، وتعاطفه مع همومهم، وفي دعمه لكفاحهم، وليس للنظام القائم؛ فكل القوانين التي صدرت والتي تساويهم في الحقوق مع السوريين (باستثناء السياسية) صدرت قبل قيام دولة البعث (1963). ثالثها، أن الوجود الفلسطيني في سورية ليس غريباً عن نسيجها الاجتماعي والثقافي، ولا يثقل عليه، فشعب فلسطين تاريخياً هو جزء من بلاد الشام. رابعها، أن الفلسطينيين كابدوا، أيضا، ما كابده السوريون طوال العقود الأربعة الماضية، فمعنى “المساواة” يشمل، أيضا، أن الفلسطينيين عانوا الحرمان من الحريات، ومن علاقات الامتهان، والإفقار المادي والمعنوي، ومن احتلال النظام لمجالهم العام والخاص. وما ينبغي ملاحظته هنا أن عدم وجود “مسألة فلسطينية” في سورية لا ينهي المشكلة، إذ يبيّن الواقع وجود مسألة سورية عند الفلسطينيين، تتمثل بمحاولة النظام السوري تحجيم الوطنية، والكيانية، الفلسطينيتين، وتطويعهما وتوظيفهما لأغراض تعزيز شرعيته ومكانته على الصعيد الإقليمي. ينجم عن ذلك أن المزاج العام الفلسطيني هو مزاج غير متعاطف مع النظام، إن لم يكن معارضا له، باستثناء الاستطالات المستفيدة منه، أي أن وضع الغالبية العظمى من الفلسطينيين هو وضع الغالبية العظمى من السوريين، في إدراكاتهم للنظام ولطبيعته الاستبدادية، زد على ذلك أن اصطدام الوطنية الفلسطينية بالنظام السوري، جعلها متصادمة مع النظام، أو تنظر إليه بعين الحذر.

أي ان هذه المنظمات لعبت دورا سلبيا لانحيازها الواضح إلى جانب النظام وعلى الضد من ثورة الحرية التي يخوضها الشعب السوري. وبديهي أن ذلك انعكس سلبا على وضع المخيمات التي عانت من التوتر على خلفية ذلك، وعلى خلفية محاولات هذه الفصائل إثارة الفتن بين بعض المخيمات وجواره السوري، كما محاولاتها خلق جماعات مسلحة في المخيمات ذاتها، بدعوى الحماية الذاتية.

وماذا عن الفصائل الفلسطينية ومواقفها؟

تفاوتت مواقف الكيانات السياسية الفلسطينية مما يجري في سورية. فهذه القيادة الرسمية (وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح)، مثلاً، التي كانت اتّخذت موقفاً حذراً وبارداً من ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا، تماهياً منها مع النظام الرسمي العربي، وبالنظر إلى التجارب المريرة السابقة، اتخذت الأمر ذاته بالنسبة إلى الثورة في سورية، على رغم العلاقة الفاترة بينها وبين النظام فيها، بسبب مناهضته لسياساتها، ودعمه معارضتها، وعلى رغم المزاج «الفتحاوي» المعروف بتبرّمه من النظام السوري. أما فصائل «اليسار» فلم يكن موقفها أحسن حالاً، على رغم أنها تتحدّث بلغة مزدوجة، بمسايرتها النظام في اعتبار ما يجري مجرّد مؤامرة وتدخّلات خارجية حيناً، وبمسايرتها المطالب الشعبية المتعلّقة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية حيناً آخر، وعلى أي حال فإن هذه الفصائل لم تعد مؤثّرة في توجيه دفّة السياسات الفلسطينية، أو في مجال المجتمع. ولعلّ حركة «حماس» كانت الفصيل الأكثر تأثّراً، وتفاعلاً، إزاء ما يجري في سورية، ومع ذلك فقد اتّسمت سياساتها في البداية بالتردد، إذ هي مؤيّدة لثورات «الربيع العربي»، بخاصّةٍ مع رؤيتها الصعود الباهر للتيارات الإسلامية في تلك الثورات، إلا أنها في حيرة إزاء الثورة السورية، حيث شكلت سورية حاضناً وداعماً لها، ومعزّزاً لشرعيتها ولمكانتها (مع محور طهران ـ دمشق ـ حزب الله ـ حماس). وعلى العموم، فقد حسمت «حماس» أمرها، بعد حين، بإخراج قيادييها، وبنقل مقرات قيادتها، من دمشق إلى القاهرة وقطر، بطريقة هادئة، ومن دون طلاق معلن، في ما بدا انه بمثابة خروج، أيضاً، من المحور المذكور.

وماذا عن الفصائل المتواجدة حصراً في سوريا؟

أما هذه فوجدت نفسها في مواجهة تحدٍ كبير إزاء احتمال تغيّر الأوضاع في هذا البلد، بواقع معارضتها قيادة المنظمة والسلطة، وبحكم أنها تدين بوجودها وبمكانتها وحتى بشرعيتها للنظام السوري، لا سيما أنها، ومنذ زمن، لم يعد يلحظ لها أي دور في مواجهة العدوّ، ولم تعد لها مكانة وازنة بين شعبها، ولا تشكّل نموذجاً يحتذى ولا على أي صعيد. وربما أن هذا الوضع نمّى عند بعض هذه الفصائل قناعة مفادها أن مصيرها بات وثيق الصلة بمصير النظام، ما يفسّر المواقف والسلوكيات المتوتّرة التي باتت تعتمدها، وضمن ذلك محاولاتها إقحام المخيمات في ما يجري، بطريقة أو بأخرى، أي ان هذه المنظمات لعبت دورا سلبيا لانحيازها الواضح إلى جانب النظام وعلى الضد من ثورة الحرية التي يخوضها الشعب السوري. وبديهي أن ذلك انعكس سلبا على وضع المخيمات التي عانت من التوتر على خلفية ذلك، وعلى خلفية محاولات هذه الفصائل إثارة الفتن بين بعض المخيمات وجواره السوري، كما محاولاتها خلق جماعات مسلحة في المخيمات ذاتها، بدعوى الحماية الذاتية.

كيف ترى تفاعل الفلسطينيين في سوريا مع الثورة؟ وكيف تفسرها؟

في العموم، فهذه ثورة سورية، أي ثورة السوريين، وقد انتهى الزمن الذي كان يعتبر فيه الفلسطيني بمثابة محرض ثوري او حالة ثورية جاهزة. لذا ومن واقع ان الفلسطينيين عانوا ما عاناه السوريون، بعد تعايش ستة عقود، ومع رؤيتهم طريقة تعامل النظام الوحشية مع السوريين، ما كان لهؤلاء الذين يعرفون معنى التوق للحرية والكرامة، في الغالب، الا التعاطف مع السوريين، وابداء ذلك بمظاهر شتى، وضمنها احتضان اهالي المناطق المنكوبة في مخيماتهم وتقديم العون لهم. لكن ثمة فلسطينيين من جيل الشباب بات لديهم قناعة بأنه لا يوجد فرق بين السوري والفلسطيني، وانه لا معنى لهذا التمييز المصطنع، ولذلك فقد انخرطوا بحماس في الثورة السورية، لكن ليس من كونهم يشكلون حالة فلسطينية، وانما من كونهم يعتبرون انفسهم جزءا من الشعب السوري.

الآن ثمة اكثر من 700 شهيد فلسطيني، لكن هؤلاء لم يسقطوا لأنهم انخرطوا في ثورة مسلحة، وانما مثلهم مثل السوريين، فقد قتل اغلبهم في بيوتهم او في الشوارع، او في مظاهرات، بسبب نهج القتل والقصف الاعمى الذي اعتمده النظام ضد شعبه، وضمنه قصف المخيمات وقصف طائرات الميغ، كما حصل في مخيم اليرموك.

وكما قلت ثمة فلسطينيين انخرطوا ايضا في الظاهرة المسلحة في الثورة السورية لاعتقادهم ان هذا هو الحل، وكردة فعل، على سلوك النظام نهج القتل والتدمير لقمع المطالب العادلة للسوريين، و، كذلك، فهؤلاء لا ينطلقون في ذلك من كونهم فلسطينيين، وانما من كونهم يرفضون التمييز بين فلسطيني وسوري، مع التأكيد بأنهم لم يفعلوا ذلك في المخيمات إذ ظل الخط العام هو تجنيب المخيمات فعاليات الثورة السورية، سواء السلمية او العسكرية، لتكريس مكانتها كبيئة امنة وحاضنة لأهالي المناطق المنكوبة، وهو دور مهم للسوريين وللثورة السورية؟

مع ذلك فقد بات المخيم، بالنسبة الى النظام وأعوانه، بمثابة قاعدة للهجوم على أحياء الحجر الأسود والتضامن والتقدم ويلدا، والتضييق على الحراك الشعبي، الذي كان ما زال سلمياً. لذلك حدثت النقلة المتعلقة بمعاقبة المخيم بشكل جماعي كأي منطقة سورية، فمن يقتل السوريين ويدمر عمرانهم، لن يهتم كثيراً بمعاقبة الفلسطينيين.

لمَ قُصف مخيم اليرموك برأيك، ولعدة مرات؟ ما قصة المخيم؟

منذ الأشهر الأولى للثورة السورية باتت المخيمات الفلسطينية لاسيما الموجودة في المدن الساخنة في سورية (حمص ودرعا وحماه واللاذقية) بمثابة مناطق أمنة بالنسبة لأهالي المناطق المنكوبة كما ذكرت، وقد عبر الفلسطينيون في ذلك عن تضامنهم مع الشعب السوري، الذي احتضنهم طوال 64 عاما، لاسيما مع شعورهم بأن الألم والأمل واحد، وانه في ظروف مصيرية كهذه لا يمكن التفريق بين سوري وفلسطيني. هكذا قدمت المخيمات لأهالي المناطق المنكوبة إمكانيات السكن، في البيوت والمدارس والجوامع، كما تم تقديم العون الطبي والتمويني لهم. وفي خضم ذلك سقط شهداء من المخيمات المجاورة للمناطق السورية، وثمة فلسطينيون اعتقلوا أو أصيبوا بسبب ذلك، كما أن المخيمات ذاتها تعرضت للقصف ولانتهاكات المسلحين من أجهزة الأمن والشبيحة والجيش، ويخشى الآن ان قسما كبيرا من مخيمي درعا واللاذقية قد تم تدميره نتيجة القصف المشدد عليهما.

لكن صورة احتضان مخيم اليرموك لجواره هي التي طغت ربما على باقي المخيمات، فهذا المخيم يقع في العاصمة، وهو اكبر مخيمات اللاجئين قاطبة، من حيث الحجم والعدد. ويقع جنوبي مدينة دمشق، وكان منذ البداية يستقبل النازحين إليه من المدن والمناطق الأخرى، لكن صيته ذاع أكثر تحديدا منذ منتصف شهر تموز\يوليو 2012. ففي تلك الفترة تعرضت مناطق “التضامن” و”التقدم” المجاورتين لهجمة عسكرية، ولموجة من القصف، ما أصاب الأهالي بالذعر، الذي نجم عنه موجة نزوح واسعة إلى مخيم اليرموك. هذا وقد استطاع شباب المخيم استيعاب هذه الموجة، حيث وفروا احتياجات النازحين، من السكن إلى لوازمه، إلى الطعام واللباس، والإغاثة الطبية. طبعا في هذه الفترة دخلت مخيمات أخرى على خط الاستضافة ومنها مخيمات خان الشيح والحسينية والسبينة في دمشق والنيرب في حلب.

وعلى العموم فإن هذا الوضع لم يعجب النظام، ولا حلفاءه من القوى الفلسطينية التابعة له، واللافت أن الطرف الذي لعب دور الموتّر في هذه الأجواء، ليس منظمة «الصاعقة» التابعة لحزب البعث وإنما «الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة» بقيادة احمد جبريل، التي طالما انتهجت الخروج عن الخط الرسمي للوطنية الفلسطينية، لمصلحة التبعية للسياسات السورية. هكذا، بات مخيم اليرموك يشهد نمو ظاهرة «الشبيحة» وتغوّل أجهزة المخابرات، وبعض الحوادث المريبة (قتل وخطف) وإثارة اشاعات، للإيقاع بين المخيم وجواره السوري، وهو أمر تم تداركه بفضل وعي السوريين والفلسطينيين. مع ذلك فقد بات المخيم، بالنسبة الى النظام وأعوانه، بمثابة قاعدة للهجوم على أحياء الحجر الأسود والتضامن والتقدم ويلدا، والتضييق على الحراك الشعبي، الذي كان ما زال سلمياً. لذلك حدثت النقلة المتعلقة بمعاقبة المخيم بشكل جماعي كأي منطقة سورية، فمن يقتل السوريين ويدمر عمرانهم، لن يهتم كثيراً بمعاقبة الفلسطينيين.

كيف ومتى تطوّر الأمر؟

بدءا من يوم الجمعة 13/7/2012، فقد تم في هذا اليوم تنظيم تظاهرة فلسطينية في مخيم اليرموك تعبيراً عن التضامن الأخوي والسلمي مع ضحايا مجزرة التريمسة (قرب حماة) التي ارتكبتها قوات النظام والشبيحة في اليوم السابق (الخميس)، وكان راح ضحيتها حوالى 250 من السوريين الأبرياء. المهم ان هذه التظاهرة السلمية تعرضت لإطلاق النار من قوات الأمن السوري، جرياً على العادة في هذه الاحوال، ما ادى الى مصرع 8 من الفلسطينيين، احدهم (احمد السهلي ـ ابو رامز) أعدم بين أولاده وفي منزله، المجاور لمكان التظاهرة، من دون أي سبب.

هذا هو الحدث المؤسّس، لأنه بعد ذلك باتت قوات النظام تستهدف المخيم بالقصف الصاروخي، ولاسيما على أحياء الجاعونة والمغاربة، علماً أنها بعيدة عن أماكن وجود «الجيش الحر» في الحجر الأسود والتضامن، وهو ما توج بقصف من الطيران يوم 16/12 على مسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة ما اودى بحياة عشرات الفلسطينيين والنازحين السوريين الامنين الذين كانوا يقطنون في الجامع والمدرسة، وقد تكرر القصف الجوي يوم 18/12 ما ادى الى تدمير حي بأكمله بمساحة 50 متر مربع، ربما بقنبلة فراغية، وما خفف المصاب ان هذه المباني المدمرة كانت خالية بعد ان هجر الناس المخيم قبل ذلك بيوم.

أما بالنسبة لدخول الجيش الحر، فهو جاء بعد تغوّل اللجان التابعة لجبريل في المخيم، حيث باتت تقيم حواجز وتعتقل نشطاء سوريين وتسلمهم لأجهزة الامن، وتساند قوات النظام في الهجوم على الأحياء المجاورة، ما أدى إلى إقحام المخيم في الصراع المسلح، نجم عنه دخول الجيش الحر.

وبالتأكيد فإن الفلسطينيين، في ادراكاتهم العفوية هذه، يدركون بأن ما هو جيد للسوريين لابد أن يكون جيدا لهم، وأن قضية الحرية لا تتجزأ، وان قيام دولة المواطنين، ودولة المؤسسات والقانون، التي تصون الحريات والكرامات، في سورية، ستكون أفضل لهم، على مستوى شؤونهم المعيشية، وعلى مستوى تمكينهم من العمل من اجل استعادة حقوقهم الوطنية.

هل من تخوّف على الفلسطيني في سوريا في حال سقط النظام؟ 

ردي على ذلك يتلخص في أن الفلسطينيين الضحايا لا يمكن إلا أن يتعاطفوا مع الضحايا، الذين يتوقون إلى الحرية والكرامة والعدالة، لاسيما أنهم كابدوا، على مدار عقود هذا التوق، ويعرفون معانيه، بحكم معاشهم مع السوريين، ومشاركتهم الآلام والأمال. وبالتأكيد فإن الفلسطينيين، في ادراكاتهم العفوية هذه، يدركون بأن ما هو جيد للسوريين لابد أن يكون جيدا لهم، وأن قضية الحرية لا تتجزأ، وان قيام دولة المواطنين، ودولة المؤسسات والقانون، التي تصون الحريات والكرامات، في سورية، ستكون أفضل لهم، على مستوى شؤونهم المعيشية، وعلى مستوى تمكينهم من العمل من اجل استعادة حقوقهم الوطنية.

قد يأتي من يقول بأنه كلام عام.

هذا صحيح، لكنه كلام مبدئي، وراهن، إذ انه لا بد من كسر نظام الاستبداد والافساد في البلد لكسر هذا الانسداد في تطور السوريين، السياسي والاجتماعي والاقتصادي، اي ان هذا مسار ضروري، وليس أحد خيارات، أي ان النظام هو المسؤول عن التغيير بطريق الثورة، لأنه حال دون الطرق الاخرى للتغيير. لكن الثورة ايضا، كما اي ثورة، لها مشكلاتها، وتحدياتها، ومخاوفها، فما بالك بالثورة السورية العفوية، والتي لا يقف وراءها لا حزب ولا نظرية سياسية؟ اقصد القول أنه للثورة اثمانها، وهي ليست بمثابة طريق معبد، وانما هي طريق متعرج وصعب ومؤلم، فليس ثمة ثورة نظيفة وكاملة وناجزة، وقد تتعرض الثورة للانتكاس والهزيمة، وقد تنجح بشكل جزئي، وقد تفشل، لكن مجرد نجاحها بكسر الاستعصاء في التغيير يمكن اعتباره نجاحا له ما يليه، لاسيما ان الثورة هي مسار تاريخي، وليست عملية انقلابية تغير في ايام او اشهر ما تم تكريسه وفرضه في عقود او قرون.

لمسألة سوريتي علاقة باحساسي بالسوريين، بالظلم والحرمان والقهر الذي تعرضوا له. بصراحة كانت الثورة مفاجئة جدا لي، لم اتوقع يوما ان هذا الشعب سيثور على النظام، في حياتي، بسبب معرفتي لعمليات المحو التي تعرض لها. لذلك عندما اندلعت الثورة السورية احسست انها ايقظت حلما كاد يموت في داخلي، احسست بعودة الروح، لهذا شعرت بالامتنان لهذا الشعب السوري العظيم، فالثورة السورية هي الثورة الاكثر صعوبة والابهظ ثمنا، هي الثورة المستحيلة.

من منظور تاريخي، ومعاصر، هل من فارق جذري بين الهويتين يبرر الحدود السياسية؟ وكأن لكل من السوري والفلسطيني (أنت مثلاً) هوية وطنية مكتملة بحد ذاتها.

في المجال الهوياتي والوجداني، وضمنه الثقافي والتاريخي والجغرافي، ليس ثمة فارق بين فلسطيني وسوري، الفارق له علاقة بالسياسة، اي بتلك اللحظة السياسية التي تم فيها اصطناع حدود بين ما كان يعرف ببلاد الشام، وتشكيل هوياتها الوطنية. المفارقة ان سايكس وبيكو رسما الحدود على الورق وحسب، في حين أن الأنظمة، انظمة الاستبداد والافساد، حولت الخطوط على الورق الى خنادق، وحواجز، وحرس حدود، وجوازات سفر، وتأشيرات، وهكذا، مثلا، بت انا فلسطينيا رغم انني من مواليد سوريا منذ قرابة ستة عقود، لأنني ولدت من ابوين فلسطينيين، أي ولدا في فلسطين. الأنكى ان هذا التمييز الهوياتي يجري بدعوى الحفاظ على وطنية الفلسطينين، كأن الوطنية مجرد لصيقة، او كأنها تتأتى بمزيد من التنكيل بالفلسطينيين، وتذكيرهم يوميا بالنكبة. الفكرة الأخرى فإنه مما يدعو للسخرية انك تكون لاجئا بين ظهراني الامة العربية، فكيف يكون المرء لاجئا في أمته؟ هذا يبين خواء الادعاءات القومجية ويبين انها تطرح للاستهلاك وحسب. ثمة جانب اخر للسخرية وهو يتمثل بأن أي فلسطيني، او سوري او لبناني او مصري او عراقي، يمكن ان يحظى على هوية ومواطنة اية دولة أجنبية في غضون سنوات معدودات، في حين ان الفلسطيني (وغير الفلسطيني) لايمكنه ان يحظى بذلك ولو ولد وعاش ستة او سبعة عقود في بلد عربي. وها انا ولدت في سورية وبقيت لاجئا، بعد ستة عقود، وها اولادي هم لاجئين، واحفادي ايضا! حقا ثمة سخرية في قصة الهويات تلك، وهي تفتح على قصة المواطنة، وتعثر قيام الدولة، دولة المؤسسات والقانون، فالسوري لا يعتبر اصلا مواطنا، الا من الناحية الشكلية، فهو مواطن من الناحية القانونية، ولكنه لا يتمكن من ممارسة مواطنته. وهذا يفتح على قصة الاكراد، فهؤلاء مواطنون، لكن يتم التعامل معهم كأقليات، وكأنهم شعب نزل بالباراشوت من السماء. الأنكى ان هذا المصطلح بات يطلق على الطوائف الدينية علما انها طوائف راسخة عبر التاريخ في البلد، قبل التعريب وقبل الأسلمة. نحن مع الأسف في دولة الرعية لا في دولة المواطنة، وربما جاءت الثورات الشعبية لتصحيح ذلك.

لمسألة سوريتي علاقة باحساسي بالسوريين، بالظلم والحرمان والقهر الذي تعرضوا له. بصراحة كانت الثورة مفاجئة جدا لي، لم اتوقع يوما ان هذا الشعب سيثور على النظام، في حياتي، بسبب معرفتي لعمليات المحو التي تعرض لها. لذلك عندما اندلعت الثورة السورية احسست انها ايقظت حلما كاد يموت في داخلي، احسست بعودة الروح، لهذا شعرت بالامتنان لهذا الشعب السوري العظيم، فالثورة السورية هي الثورة الاكثر صعوبة والابهظ ثمنا، هي الثورة المستحيلة.

الصورة التقطتها في مخيم حمص للاجئين

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s