سينما
اكتب تعليقُا

أمستردام: ترانزيت في متحف ومعرضه

لم أتصور بأن الساعات الخمس التي قضيتها في مطار مدينة أمستردام Schiphol (سخيبول) بالكاد كانت تكفيني بين التجوال فيه والتمعن في أوجه المسافرين، والوقوف طويلاً أمام «ستاند» الصحف: هولندية، فرنسية، إنجليزية، إسبانية، وحتى عربية، وأمام أرفف تحمل عدداً هائلاً من المجلات. إضافة إلى استكمال ما قرأته من الكتاب المصاحب في رحلتي من تولوز إلى أبوظبي.

لو اكتفت فترة الترانزيت بذلك -نضيف نصف ساعة في إحدى مقاهي المطار- لما عرفت كيف أمضي ما يتبقى من الساعات الخمس. لكني وبينما كنت أتجول في أروقة المطار الشاسعة، المزدحمة بملامح ولغات وثقافات، وقصص تبدأ وأخرى تنتهي وأخري تستريح في قاعات الترانزيت ريثما تستكمل رحلتها، رأيت إعلاناً لمتحف ومعرض يقام هنا في المطار. أودعت الكتاب في الحقيبة، ومشيت إلى الرواق بين ردهتي E و F لأجد المتحف فسيحاً مفتوحاً للجميع، نظرت إلى الساعة لأطمئن أن معي من الوقت ما يكفي للمتحف ومعرضه وحتى للتجول في سوقه.

هو الأول من نوعه في العالم كمتحف دائم في مطار، فيه تشكيلة دائمة عن «العصر الذهبي» في الفنون الهولندية، وفيه معرض مؤقت يستمر لأشهر متناولاً موضوعاً بعينه. متحف Rijksmuseum هو الأول الذي يفتتح فرعاً في مطار، و«سخيبول» هو المطار الأول الذي يفتتح متحفاً في أحد أبنيته، وكان ذلك في ديسمبر ٢٠٠٢، لتتناوب عليه حتى اليوم العديد من المعارض المؤقتة (ثلاثة كل سنة) كان أهمها: الشتاء في هولندا، الأزهار، الطواحين الهولندية، الفن والصناعة، رامبرانت الحقيقي، الواقعية الهولندية، فانسان فانغوخ: نظرة مقربة إلى الطبيعة، الكتب في عصر رامبرانت، سماءات مشمسة في العصر الذهبي، الأبقار الهولندية، الفتيات الهولنديات: عارضات العصر الذهبي، الورود الهولندية، وأخيراً، المعرض القائم حالياً إلى نهاية العام: أولاد هولنديون.

لم تفتني الطائرة لحسن حظي، استغرقت وقتي كله في المتحف ومعرضه، وحتى في سوقه، في المشاهدة ثم في التصوير. ولم أخيّب رغبتي التي طرأت حالما قرأت الإعلان عنه في الرواق وحين زرته وحين خرجت منه راكضاً، رغبتي التي أجبرتني على تصوير بعض ما فيه بتأنٍ، ثم لاحقاً الكتابة عنه. أبهرتني الفكرة: حبهم لفنونهم، تقديرهم لها، يقولون للمسافرين المارين بهم، المنتظرين في الترانزيت، بأن لديهم ما يمكن زيارته غير السوق الحرة، وبأن هولندا ليست فقط حذاءً خشبياً أو زهرة توليب.

قبل الكتابة عن المعرض الأخير وعن المحتوى الدائم للمتحف، أود فقط الإشارة إلى الكم الهائل من المعرفة التي يقدمها هذا التعاون المشترك بين المطار والمتحف إلى زواره، من الخدمة الهائلة التي يقدماها إلى هولندا، ثقافياً وفنياً وبالتأكيد سياحياً، موقع المطار على الخارطة -في قلب أوروبا وبالتالي العالم- يجعله نقطة ترانزيت لا بد منها لكثير من الرحلات الجوية، لعلّها ضخامة المطار تفسّر شيئاً من ذلك. خرجت من المتحف راكضاً إلى البوابة حيث تنتظر الطائرة وذهني مشوّش بأمرين: هل سأتأخر على طائرتي وبالتالي سأندم على ربع ساعة إضافية التقطت فيها صوراً للمعرض لمقالة قادمة محتملة، وبين تلك الفكرة الثقافية السياحية القومية الجمالية الرائعة اللعينة التي يَنتج عنها متحفاً ومعرضاً بين قاعات المطار.

أما المعرض الحالي ويحكي عن قرون من البورتريهات لأولاد هولنديين: ١٤ عملاً تتوزع على جدران المعرض لتنوّع واسع من الملامح: من الطفل إلى الصبي، من الملائكي إلى المشاغب، لتعطي هذه اللوحات انطباعاً أولياً عن التخليد الفني لأولاد هولندا في القرون ١٧ و ١٨ و ١٩.

كثيراً ما كان الهولنديون في تلك الأزمنة يتباهون بأبنائهم، يكلفون فنانين برسم بورتريهات لهم (كما نصور نحن أولادنا بالكامرات)، وكانت لوحات تسودها الرسمية، من ناحية الوضعية إلى جانب الأسلوب والألوان المستخدمة، وهي قاتمة في معظمها. فالأولاد كما يبدو في أجمل حلّتهم وأشد نظراتهم جديّة بخلاف ما قد توحي به أعمارهم فيبدون أكبر سناً كما رسمها لودولف باخوسن وأدريان فان أوستاد. سألت أحد القائمين على المعرض عن سبب ذلك فقال أنها المسؤولية التي ستقبع على كاهل هذا الولد عائلياً كرجل سيحمل اسم العائلة، نرى ذلك بوضوح على اللوحات: النظرات الواقعية شبه المأساوية للولد وأسلوب الفنان في مقاربتها مع باقي أجزاء اللوحة.

كان ذلك الغالب على اللوحات التي أنجزت في القرن ١٧، أما بورتريهات القرن ١٨ فقد اختلفت عن ذلك قليلاً، ألقت لوحاتها الضوء على الملامح الطفولية أكثر من سابقاتها، بما في هذه الملامح من براءة وطهارة انعكست على الأسلوب والألوان كما لدى ديوني فان نيجميجين. أما لوحات القرن ١٩ فقد تأثرت بوضوح بمُثُل عصر التنوير الأوروبي، فاختفت فكرة الولد المهذب البريء فاسحة المجال للصورة الرومانسية للأولاد، وتحديداً في النصف الثاني من القرن كما تظهر لوحات جاكوب ماريس وأوغست أليبي الذين بدءا برسم لوحات لأطفال لا يخجلون من نظراتهم الحالمة. وبالحديث عن مضمون المعرض، قد تغيّر الكثير في هذه القرون الثلاثة فيما يخص المقاربة الفنية، إلا أن هنالك من الأمور ما يتخطى الزمن في ذلك، وقد انعكس نسبياً في تمثيلها فنياً، كرسم الشقاوة الطفولية التي واظب على رسمها كل من جيريتس وفان بريكيلينكام.

لم تفتني الطائرة لحسن حظي، استغرقت وقتي كله في المتحف ومعرضه، وحتى في سوقه، في المشاهدة ثم في التصوير. ولم أخيّب رغبتي التي طرأت حالما قرأت الإعلان عنه في الرواق وحين زرته وحين خرجت منه راكضاً، رغبتي التي أجبرتني على تصوير بعض ما فيه بتأنٍ، ثم لاحقاً الكتابة عنه. أبهرتني الفكرة: حبهم لفنونهم، تقديرهم لها، يقولون للمسافرين المارين بهم، المنتظرين في الترانزيت، بأن لديهم ما يمكن زيارته غير السوق الحرة، وبأن هولندا ليست فقط حذاءً خشبياً أو زهرة توليب.

العصر الذهبي:

لم تزدهر الفنون والثقافة في المقاطعات التي اتحدت ضمن الجمهورية الهولندية كما فعلت وبغزارة في القرن ١٧، وهو ما عرف لاحقاً بالعصر الذهبي. نالت البلد حريتها من امبراطورية هابسبورغ الإسبانية شديدة البأس، وبرزت شعوبها كأحد أقوى الشعوب في الملاحة التجارية في العالم، مع توسّع متزايد لأمستردام كمركز تجاري رئيسي لها. كان ذلك في وقت شهد ازدهاراً عظيماً وابتكارات جوهرية في الفنون.

في حين كان الملوك وحاشيتهم والنبلاء ورجال الدين الراعين الرئيسيين للفنون في البلاد المجاورة، كانت في الجمهورية الهولندية البروتستانتية الرعاية شعبية، فكان بالإمكان رؤية لوحة معلقة في كل منزل، وبعضها تم تكليف الفنان به، إلا أنها بمعظمها كانت مرسومة مسبقاً.

لذلك فإن فنون العصر الذهبي في هولندا تعكس أذواق الناس، وقد اكتشف الفنانون في مدن هارليم وأتريخت وليدن وديلفت وأمستردام مواضيع واحتمالات فنية جديدة، استخرجوها من البيئة التي عاشوا فيها -المدينة، الريف، الديكور المنزلي- إضافة إلى البحر. وقد تطوّرت مجموعة من التخصصات في الفنون، وتركزت غالباً في مدينة واحدة، هارليم كانت مركز فنون المشاهد الطبيعية والحياة الصامتة، ديلفت اختصت في الديكورات الداخلية، أما أمستردام فكانت موطن رامبرانت وتلاميذه.

في مجلة الدوحة

amsterdam45654

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s