سياسة
اكتب تعليقُا

لم أعد أصدق تباكيهم على غزة

كثيراً ما خطر لي أن العرب يحبون قضية فلسطين ولا يحبون شعبها، هو الشعور الذي كنت أتشاركه مع كثيرين على ما يبدو. لطالما سأل الفلسطيني أين العرب، شعوباً قبل الحكّام، لكن التساؤل هذا قد لا يكون دقيقاً اليوم. الشعب العربي انتفض وثار في أكثر من بلد، هنالك شعوب بأكملها كسرت جدر الخوف التي شيدتها الأنظمة على مدار عشرات السنين، صار هنالك عربٌ يعبّرون عن آرائهم وغضبهم دون أن يهجسوا بأن للحيطان آذان تسمع وتنقل ما تسمع، وبذلك لا يمكن أن نقول أن عبارة «يحبون قضيتنا لكن لا يحبوننا» صحيحة بالمعنى العام، بل الصحيح أن السوريين الذين هتفوا لغزة كما لحريتهم تحت القصف لم يعد هنالك ما «يشذّب» أو يمنع مظاهراتهم التضامنية (كانت تسمّى مسيرات للتخفيف من وطأتها النفسية على النظام السوري). لكني ما زلت أقول بأن هنالك فعلاً من «يعشقون» قضيتنا وهم غير معنيين (بالمرّة) بالإنسان الفلسطيني صاحب هذه القضية، بل بأنفسهم، متسلّقي قضيته.

أكتب ذلك وفي ذهني أجهزة الإعلام «الممانع»، اللبنانية خاصة، صحافة وتلفزيون، التي أتى العدوان الإسرائيلي على غزة كخلاص لها من الكبت الذي أجبرت ذاتها عليه فيما يخص الموضوع السوري، أقول كبتاً فيما يخص الضحايا والأسئلة المحرجة الحقيقية التي تطرحها الثورة السورية، فأفرغت هذه الأجهزة كل كبتها في تباكٍ مغالٍ ومفبرَك على أهالي غزة (كالتي تعتاش على الندب «موَلوِلة» في مجالس العزاء)، لم أستطع تصديقها. هؤلاء من يعتاشون على قضية فلسطين ومآسيها، وقد لا يجدون مبرراً لاستمرارهم لو لم تضرب إسرائيل غزة أو الضفة بين فينة وأخرى (ولا بأس بضرب النظام السوري للمخيمات)، لم أعد أصدقهم، لا أقول أنهم وُجدوا بالتالي لممانعة إسرائيل وضرباتها إعلامياً، بل أنهم أفلسوا أخلاقياً مع كل يوم جديد في الثورة السورية. باتوا يعتاشون، كما الأنظمة التي يدافعون عنها والمفلسة مثلها أخلاقياً، على قضية العرب المركزية، على عدوان إسرائيلي جديد ينتشلهم. يريدون مخلّصاً أخلاقياً (ومطهّراً بالمعنى الإغريقي: كاثارسيس) ويا ليتها تكون فلسطين، وبالنهاية أسهل ما يمكن أن يقوم العربي به الآن وفي كل الأزمنة هو بيع الوطنيّات النظريّة عن فلسطين وشتم إسرائيل بين سطر وآخر، لكن ماذا عن فلسطينيي المخيمات في سوريا ولبنان؟

أفلست أخلاقياً هذه الأجهزة، عرّتها الثورة السورية، عرّت تباكيها على فلسطين (كنا فعلاً نحتاج ثورة في سوريا لذلك)، أظهرت أن «ممانعتها» مبرر وجودها، الممانعة المشروطة بالولاء للنظام السوري كما افتُضحت مؤخراً، لا بالولاء لفكرة المقاومة والكرامة والحرية التي أشعل الفلسطيني ثورته لأجلها في المخيمات قبل نصف قرن والتي أشعل السوري ثورته لأجلها كذلك ولا تزال مشتعلة. لن أصدق من يقبل ويبرر قتل الأطفال في سوريا ويرفضه في فلسطين، الحرية ذاتها في كلا البلدين، وكذلك الأطفال.

كيف لي أن أصدق قناة كـ «الميادين» التي نشرت على صفحتها على فيسبوك صورة لأطفال في بلدة الحراك وقد قصفتهم الطائرات السورية، تقول بأنها صور أطفال في غزة قصفتهم الطائرات الإسرائيلية، وبعد أن كُشفت الفضيحة على نطاق واسع سحبت القناة الصورة ولم يرف لها جفن، ولو باعتذار خفيف على صفحتها، كيف أصدقها؟ كيف لي أن أصدق من يرفض الموت قتلاً لأطفالنا ويقبله لأطفال آخرين (بل ويبرره ويدافع عن القاتل)؟ ومن؟ أطفال سوريين لا تبتعد بلدتهم إلا بضع كيلومترات عن فلسطين وعن لبنان؟

وبالتوافق مع ذلك، تتشفى هذه الأجهزة الإعلامية بشكل مباشر وغير مباشر بالغزيين بإلقائها اللوم على حماس في القتل الحاصل في غزة، وتتباكى على هذا القتل ولا تألو جهداً (وبأسلوبهم المراهِق) في بث كل خبر يتغزلون فيه بفصائل أخرى ومقاوماتها مقابل تهميش مقاومة حماس وكتائب القسام وهي قائدة المعركة الآن هناك، وكل ذلك بسبب موقف حماس المؤيد للثورة السورية وما نتج عنه من إقفال النظام السوري لمكاتبها في دمشق وختمها بالشمع الأحمر (أن تكون مقاوماً عندهم إذن يُقاس برضى النظام السوري عنك). هي الأجهزة الإعلامية نفسها التي لطالما مثلت حماس لها التنظيم الفلسطيني المقاوم شبه الوحيد حين كانت (لسوء حظها تاريخياً) محسوبة على النظام السوري قبل الثورة.

يعتاشون على قضيتنا فيحبونها (طبيعي!) ولا يحبون أهلها. أين هذه الأجهزة عن أهل القضية -التي صرعوا سمانا بممانعتهم لأجلها- في مخيمات سوريا؟ الفلسطينيون هناك يُقصفون كالسوريين، وهم أساساً هناك كنتيجة مباشرة ومتراكمة وعضوية لاحتلال فلسطين وتهجير قسم كبير من أهلها وخلق قضيتها التي تحولت عند هذه الأجهزة لبروباغاندا فارغة أساءت للقضية كما أساءت لها الأنظمة العربية، وتحديداً النظام السوري الذي يدافعون عنه ويبررون قتله (للأطفال). والفلسطينيون في مخيمات لبنان، بما عانوه ويعانوه من عنصرية وتهميش وقتل وغيره مما لن يسع في مقالة، أليسوا أهل القضية كذلك؟

أفلست أخلاقياً هذه الأجهزة، عرّتها الثورة السورية، عرّت تباكيها على فلسطين (كنا فعلاً نحتاج ثورة في سوريا لذلك)، أظهرت أن «ممانعتها» مبرر وجودها، الممانعة المشروطة بالولاء للنظام السوري كما افتُضحت مؤخراً، لا بالولاء لفكرة المقاومة والكرامة والحرية التي أشعل الفلسطيني ثورته لأجلها في المخيمات قبل نصف قرن والتي أشعل السوري ثورته لأجلها كذلك ولا تزال مشتعلة. لن أصدق من يقبل ويبرر قتل الأطفال في سوريا ويرفضه في فلسطين، الحرية ذاتها في كلا البلدين، وكذلك الأطفال.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s