سياسة
اكتب تعليقُا

مقابلة: حزب الشعب | الثورة السورية

حزب الشعب الديمقراطي السوري.. عن الثورة السورية والشيوعيين السوريين واليسار العالمي وعن مشاركتهم في مهرجان «لومانيتيه» الذي يقيمه الحزب الشيوعي الفرنسي

 

 

رفض الحزب الشيوعي الفرنسي إعطاء الإذن للحزب الشيوعي السوري (الرسمي) بأن يشارك. وهذا بحد ذاته موقف

——

لذلك فإسرائيل تخاف من نظام قادم يعبر عن الإرادة الشعبية كون مفهوم المقاومة ليس مفهوم النظام السوري بل الناس في سوريا

——

تاريخياً كانت الأحزاب الشيوعية مع الدكتاتورية لأن في عقلها شيء اسمه دكتاتورية البروليتاريا، فمن الطبيعي أن يؤمنون بفكرة أن الحزب بدل الشعب والقيادة بدل الحزب والأمين العام بدل القيادة كلها. لذلك فلا يستغربون أن يبقى حافظ الاسد لثلاثين عاماً وبشار ابنه لاثني عشرة عاماً وأن يورث لابنه

——

لو أن هنالك تهديداً فعلياً لتوقف النظام عن القتل وسقط. النظام لم يعد الآن يحكم سوريا، بل هو يحتل سوريا. النظام يسيطر فقط حيث تتواجد طائراته ومدافعه ودباباته

——

سوريا متعددة على مستوى الدين والمذهب والقومية وبهذا التنوع لا يمكن لحزب واحد أن يحكمها، ولا لأي تطرف أن يجرها. حالياً يحاول النظام أن يُظهر هذا الاختلاف والتناقض بأسلوب يسمح لنفسه به أن يتقوقع أو يحقق حلم الدولة الأقلية إن انهارت الدولة المركزية

——

سألوه لرياض الترك ما أمنيتك، قال أن أرى الناس منتصرة وأقف على الرصيف أصفق لهم

———————————–

راية الثورة السورية كانت هناك ترفرف فوق «الستاند» الصغير، في زحمة الأحزاب والجمعيات اليسارية والأممية. بجانب الراية عند أعلى «الستاند» تتوضح الهوية أكثر: حزب الشعب الديمقراطي، وهو ما كان يُعرف بالحزب الشيوعي/المكتب السياسي، وهم رفاق المناضل رياض الترك، أتوا إلى المهرجان الشهير الذي يقيمه الحزب الشيوعي الفرنسي وجريدته سنوياً «فيت دو لومانيتيه» أو مهرجان الإنسانية، ليحكوا بتاريخ حزبهم (من أعضاء أمانته المركزية جورج صبرا) والراية المرفوعة (لم أرَ راية للحزب تعتلي «الستاند») عن الإنسانية والثورة في بلادهم. هناك التقيت بمحمد عدي، وقد نصحني أحد القائمين على «الستاند» بأن أنتظر لحين قدومه إن أردت من يحكي عن الحزب والثورة واليسار والمهرجان. هو ابن مدينة حماه، اعتُقل في الثمانينات في سوريا ويعيش في فرنسا منذ نال حريته. في ضجة المهرجان، سجلنا هذا اللقاء:

  

الثورة في سوريا مندلعة منذ ما يزيد عن السنة ونصف، وأنتم تشاركون في هذا المهرجان، ونعرف جميعاً موقف الأحزاب الشيوعية السورية من الثورة، ونعرف أن الكثير من الأحزاب الشيوعية في العالم تبني موقفها تبعاً لموقف تلك الأحزاب، أين أنتم من تلك المواقف وأين الحزب الشيوعي الفرنسي، تحديداً، منها؟

بالنسبة للحزب الشيوعي الفرنسي، هم يعرفون مشاكل الحزب الشيوعي السوري وانقساماته، وقد بدأ بالانفتاح علينا عام 2003 حين استقبلت الأمين العامة للحزب جورج بوفيه رياض الترك في دعوة من الحزب الاشتراكي الفرنسي وليس الشيوعي، وحينها بدأت مشاركاتنا في المهرجان، أولاً باسم الحزب الشيوعي/المكتب السياسي ثم باسم حزب الشعب الديمقراطي، إضافة لمشاركة الحزب الشيوعي الآخر والمقرب من النظام، على بعد 150 متراً عنا. فكان هنالك تمثيلين عن الشيوعيين السوريين. أما السنة الماضية وهذه السنة فقد رفض الحزب الشيوعي الفرنسي إعطاء الإذن للحزب الشيوعي السوري (الرسمي) بأن يشارك. وهذا بحد ذاته موقف. لكن ذلك لا يعني أن جميع مواقف الحزب الشيوعي الفرنسي صحيحة. كان معنا في بدايات الثورة، وقد دعا في إحدى المرات لوقفات تضامن أسبوعية كل يوم سبت بين الرابعة والسادسة مساء، حالياً نقيمها في منطقة شاتليه بعد أن مررنا بعدة مناطق أخرى في باريس، فطلب منا الحزب الشيوعي بسكرتيره العام بيار لوران أن يدعو الحزب نفسه للوقفة، وقد ألقى لوران خطبة في ذلك اليوم.

لكن بالنسبة لموضوع الحلف الأطلسي والتدخل العسكري وغيرها، هنالك مثقفون سوريون يحملون مواقفة جبانة داخل الثورة، والتي أثرت سلبياً على موقف اليسار العالمي بحديثها عن تدخلات أجنبية وسعودية وقطرية وغيرها، وأخذت مواقف مهادنة، علماً بأن أكثر الأطراف الخارجية تدخلاً هي إيران بالرجال والسلاح والمال، والعراق بالمال، وروسيا بالسلاح. التدخلات الأخرى لا تكاد تقارن بهذه. لذلك لدينا الآن اشكالية في عقل الشيوعيين الفرنسيين نحن بحاجة لتوضيحها لديهم وهي مسألة التدخل الخارجي والامبريالة وغيرها. نحن لم نكن تابعين لموسكو ولن نرضى الآن أن نكون تابعين لا لأميركا ولا فرنسا ولا غيرهما. ولكننا سنتعامل مع الواقع الدولي والإقليمي بما يخدم الحرية، نتعامل مع الآخرين على أساس بناء النظام الديمقراطي الحر في سوريا، وندرك مسبقاً حقيقة أن من يحمي النظام الحالي هو العقل الإسرائيلي، الحكومة الإسرائيلية وامتداداتها الإعلامية والسياسية داخل المجموعة الأوروبية، لأن إسرائيل لم ترتح لنظام في حدودها كما ارتاحت للنظام السوري خلال الأربعين عاماً الماضية. لذلك فهي تخاف من نظام قادم يعبر عن الإرادة الشعبية كون مفهوم المقاومة ليس مفهوم النظام السوري بل الناس في سوريا. الفلسطينيون ضحوا وقدموا الكثير لقضيتهم ومن بعدهم أكثر الشعوب تضحية للقضية هو الشعب السوري، القضية الفلسطينية عندنا قضية جوهرية، أما النظام فقد استخدمها للابتزاز والكسب، وإسرائيل تخاف فعلاً من نظام سوري يعبر عن إرادة الشعب.

هنالك من القوميين والشيوعيين العرب من يبرر للنظام تعامله مع الثورة، يلخصون الموضوع بأنه مؤامرة وأن أميركا مع الثورة وهم بالتالي ضدها..

لا شك أن أميركا والمجتمع الغربي يبحثون عن مصالحهم. ويحاولون تأمين مصالحهم حسب الطرف المنتصر. والنظام الرأسمالي أقدر على التأقلم مع الأوضاع من الأنظمة الشيوعية السابقة. وهنالك قيم عالمية لا علاقة لها لا بالرأسمالية ولا الاشتراكية وهي قيم الحرية والإنسانية والديمقراطية. تاريخياً كانت الأحزاب الشيوعية مع الدكتاتورية لأن في عقلها شيء اسمه دكتاتورية البروليتاريا، فمن الطبيعي أن يؤمنون بفكرة أن الحزب بدل الشعب والقيادة بدل الحزب والأمين العام بدل القيادة كلها. لذلك فلا يستغربون أن يبقى حافظ الاسد لثلاثين عاماً وبشار ابنه لاثني عشرة عاماً وأن يورث لابنه. هم لا يستغربون ذلك ويقبلونه. وهذه الأحزاب التابعة سابقاً لموسكو وحالياً لمن يمولها لا تتخذ القرارات نتيجة لقناعاتها بل نتيجة لعلاقاتها ومصالحها بحجة الامبريالة. والآن إن كان من سبب لزيادة الأزمة في سوريا وعدم حلها فسيكون الموقف المائع لأميركا والغرب من النظام. فكيف يمكن لأميركا أن تكون مع الثورة وتترك الجيش السوري يقتل الناس بالدبابات والطائرات؟ وبالتالي إن لم تكن مع الثورة ماذا كانت ستفعل؟! وحين يخرج لنا رئيس الحلف الأطلسي ويحكي أنهم لن يتدخلوا عسكرياً، ماذا يعني ذلك غير أن: يا نظام اذهب واقتل الناس؟ وحين يقول السيد أوباما أن السلاح الكيماوي خط أحمر، ماذا يعني ذلك غير أن جميع الأسلحة مسموح بها؟ هل سمعت برئيس أو وزير دفاع قال علناً أنه ضد قتل المدنيين وحذر النظام من قتل الناس بالطائرات، وهدد فعلاً النظام السوري؟ لذلك فالكلام عن أن أميركا مع الثورة هو كذب إعلامي. فلولا موقف الأميركان والغرب المائع من النظام لما استمر الأخير لهذا اليوم. لو أن هنالك تهديداً فعلياً لتوقف النظام عن القتل وسقط. النظام لم يعد الآن يحكم سوريا، بل هو يحتل سوريا. النظام يسيطر فقط حيث تتواجد طائراته ومدافعه ودباباته، وإن توقف ذلك لدقائق لفقد السيطرة، حتى في دمشق وحلب. النظام غير موجود في المدن بل في مراكزها حيث الفعاليات الاقتصادية الهامة، ومراكز الجيش والأمن. ومع ذلك فعمليات مهمة للجيش الحر تحصل في قلب العاصمة. لذلك فالأحزاب التي تتخذ قراراتها نتيجة مصالحها وعلاقاتها ومصادر تمويلها كما كان الأمر مع الأحزاب الممولة من صدام حسين بحجة القومية العربية ثم النظام السوري الذي ما عاد بإمكانه تمويل الأحزاب ثم إيران الآن التي لن تجد تمويلاً لهذه الأحزاب يوماً ما، فلتحترم هذه الأحزاب نفسها ولتأخذ مواقفها نتيجة تحليلها للواقع وما يحصل على الأرض، لا نطلب منهم أكثر من ذلك.

هل ستكون الثورة السورية بزخمها وتاريخيتها سبباً للأحزاب الشيوعية العربية كي تراجع نفسها وتنتقد ذاتها تاريخياً؟

هذا ما نتمناه للتيارات السياسية الحقيقية، أن تعيد تفكيرها. هنالك مثلاً «حركة اليسار الديمقراطي» في لبنان الذي انشق عن الحزب الشيوعي الرسمي، وهو مع الثورة السورية. كما أن هنالك الكثير من اليساريين المستقلين يساندون الثورة. أفرح مثلاً حين أرى أعلام الثورة السورية ترفع في البلاد العربية، في اليمن مثلاً، في ميدان التحرير في مصر، بغض النظر عن محمد مرسي ومواقفه كرئيس جمهورية، الشعب المصري مع الثورة السورية، أحمد فؤاد نجم ومثقفين مصريين وغيرهم. أعتقد بأن الثورة السورية ستنتصر وأن هذه الأحزاب ستضطر لأن تعيد تفكيرها وسيعتذرون من الأموات قبل الأحياء لمواقفهم.

كحزب يساري، هل تخافون من «سيطرة» إسلامية تعقب انتصار الثورة كما حصل في مصر وتونس، وإن أتت بشكل ديمقراطي نوعاً ما؟

الخوف موجود. ووجودنا على الساحة هو الضمان الوحيد. هنالك فرق بين حزب إسلامي يقبل الحياة مع الآخر وحزب يريد أن يحتل جميع المواقع ويلغي الآخر. حين تأخذ الأحزاب قرارات خاطئة تنعزل عن الناس وتفقد قوة تأثيرها عليهم، وحينها تأخذ التيارات الأخرى مواقع أقرب للناس خاصة الملتزمة معها والتي يعرف الناس قيمتها بينهم، لاحقاً حين يحصل الصراع الديمقراطي لن نلغي أحداً لكننا لن نسمح لأحد بإلغائنا. لكن لا بد من إدراك أن لهذا الشعب أشكال عدة للتعبير، سوريا متعددة على مستوى الدين والمذهب والقومية وبهذا التنوع لا يمكن لحزب واحد أن يحكمها، ولا لأي تطرف أن يجرها. حالياً يحاول النظام أن يُظهر هذا الاختلاف والتناقض بأسلوب يسمح لنفسه به أن يتقوقع أو يحقق حلم الدولة الأقلية إن انهارت الدولة المركزية، لكن أمر كهذا لم يحصل في تاريخ سوريا.

هل تخافون على المجتمع السوري من الطائفية؟

أبداً، آخر أحداث طائفية في سوريا كانت عام 1860 والتي تدخل في حلها، وبنجاح، الأمير عبد القادر الجزائري الذي كان يعيش في سوريا. فارس الخوري المسيحي كان وزير أوقاف في سوريا ورئيس وزراء، حين قالوا له أن فرنسا تريد أن تحمي المسيحيين في سوريا ذهب إلى المسجد الأموي وقال: يقولون أن فرنسا تريد أن تستحمي المسيحيين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وخرج بمظاهرة من المسجد، هذه هي سوريا التي نعرفها.

ما أخبار الحزب حالياً؟ هل من مؤتمرات قريبة أم أنها متوقفة بسبب الثورة؟

من الناحية النظرية، كان على الحزب أن يشرع في مؤتمره السابع قبل الثورة وكانت كل الوثائق محضَرة، وتسارع الأحداث أجبرنا أن نندمج معها ونؤجل الأمور الأخرى، لكن باعتقادي أن لا بد لنا من عقد المؤتمر حالما تنتصر الثورة.

هل ستسعون حينها لوحدة يسارية أو شيوعية سورية؟

نحن نسعى لوحدة التيار الديمقراطي المدني اليساري أكثر مما هو «الشيوعي»، كيف سنقف مثلاً ممن وقف من الشيوعيين مع القتلة؟ لسنا حزباً أيديولوجياً، حين تخلينا عن تسمية الحزب الشيوعي كنا نقصد ذلك، أصبحنا حزباً سياسياً يبحث عن المصالح السياسية، لن نتخلى عن القيم الإنسانية: مناصرة الضعيف والعدل الاجتماعي ومحاربة الاستغلال.. لا نعتبر أنفسنا حزباً ماركسياً بالتحديد، بل الماركسية أحد المنابع الفكرية التي نأخذ منها، أصبحنا حزباً سياسياً ببرنامج سياسي نعمل على أساسه.

أخيراً، ما أخبار رياض الترك «ابن العم»؟

ابن العم جالس في دمشق، في بيت مليئ بالأحذية والأغطية والألبسة الصوفية يجمعها للمحتاجين، تخيل أن رجلاً تخطى الثمانين من عمره لا يرضى إلا أن يشارك في عمليات الإغاثة، يحمل أكياس الإغاثة بما فيها من ملح وسكر وزيت وطحين ليوصلها للعائلات المحتاجة، هو من الناحية النظرية عضو بالأمانة المركزية للحزب، وعضو برئاسة إعلان دمشق، ويتولى الإشراف الواقعي على كل عمله، ويعيش بطريقة شبه سرية لأسباب أمنية، وهمته همة الشباب رغم الأمراض والعمر. في إحدى المقابلات مزحوا معه سائلينه لم لا ينزل إلى المظاهرات، قال بأنه وبهذا العمر إن نزل إلى المظاهرة سيحتاج لأربعة كي يحمونه، وسيعوقهم ذلك عن التظاهر بأنفسهم. سألوه ما أمنيتك، قال أن أرى الناس منتصرة وأقف على الرصيف أصفق لهم، وقال أنه لا تهمه الحياة لأنه يعتقد أنه عاش أكثر مما يجب بكل تجاربه، ويحلم أن يرى هذه الناس منتصرة.

لكنه بتجاربه وتاريخه يُعتبر مرجعية لهذه الناس..

صحيح نحب أن يظهر كرمز لكنه لا يحب أن يصعد على أكتاف الثوار. يقول أن المعارضة في السبعين والثمانين من عمرها وأن الثورة في العشرين، لا يريد أن يكون أكثر من ناصح في لحظات قد يرى فيها أن أموراً تسير بشكل خاطئ، فيصدر تصريحاً بشأنه، والجميع ينصت له وإن كانوا على اختلاف معه. نعم له مرجعية ولنسمها أخلاقية، ويحاول أقل ما يمكن أن يتدخل، ويتابع الأمور على المستوي اليومي الحياتي كأي إنسان ومناضل بسيط.

——————————————————————————————–

هنا تلخيص لتاريخ الحزب الشيوعي السوري بانشقاقاته إلى اندلاع الثورة مروراً بإعلان دمشق والتحركات السياسية في سوريا، كما سردها لنا محمد عدي.

بدأت انشقاقات الحزب الشيوعي عام 1973 بين الحزب الشيوعي/المكتب السياسي، والرسمي. الأول بقيادة رياض الترك والثاني بكداش. تمحور الخلاف حول الاستقلالية عن موسكو والموقف من القضية، كان بكداش مع موسكو والتقسيم أما الترك فمع موقف منظمة التحرير المنادي بفلسطين كل فلسطين وحق العودة. وبعدهما كان الموقف من الوحدة العربية، “المكتب السياسي” كان مع الوحدة وضد موقف الحزب الرسمي/بكداش عام 1958، ومع حق الشعوب العربية في أن تتوحد، وقد طرح “المكتب السياسي” فكرة الحزب الشيوعي العربي. لاحقاً كان الحزب الشيوعي/المكتب السياسي عضواً في “الجبهة الوطنية التقدمية” مع النظام وإن لم يكن متشجعاً لتوثيق علاقاته به. لحق ذلك التدخل السوري في لبنان وتحديداً مجزرة تل الزعتر، مسّنا كثيراً ذلك، للعلاقات الوثيقة بيننا وبين الفلسطينيين. ورياض الترك كان المسؤول في الحزب الشيوعي السوري عن تدريب الشيوعيين للقتال مع الفلسطينيين. فمسّنا كثيراً أن نرى أن الجيش السوري قتل الفلسطينيين وقاتل الحركة الوطنية اللبنانية. كانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير. فأصدر الحزب بياناً ضد التدخل السوري في لبنان وعلى أساسها اتخذ الحزب إجراءات كثيرة للعيش في الحالة السرية. واسمتر الحزب بمعارضته للنظام واستقلاليته عن موسكو، واكتشفنا أن أساس الأزمة هو النظام الدكتاتوري. وبدأنا الحديث عن الديمقراطية البرلمانية والديمقراطية بالمطلق، فصاروا ينادوننا بالبرجوازين والتابعين للغرب، واكتشفنا أنها القضية الجوهرية. بدأنا بالابتعاد عن الشيوعية التقليدية، تأثرنا قليلاً بالشيوعية الأوروبية. بالفرنسيين والأسبان، وتحديداً الأسبان. بدأ على المستوي السوري إنشاء تكتلات أحزاب المعارضة ما بين شيوعيين وقسم من الاشتراكيين العرب والاتحاد الاشتراكي، استطاع النظام تقسيم جميع الاحزاب، بعضها بقي في الجبهة وقسم خرج إلى المعارضة. في مقابل الجبهة تم عام 1977 إعلان التجمع الوطني الديمقراطي والذي ضم الأحزاب اليسارية عموماً، ناصريين واشتراكيين وحزب العمال الثوري لياسين الحافظ والحزب الشيوعي/المكتب السياسي. بقي يسار لم يشاركنا وهي حلقات ماركسية أطلقت على نفسها لاحقاً اسم “رابطة العمل الشيوعي”. بدأت حينها أزمة النظام مع حركة الأخوان المسلمين والعمل المسلح، ورد النظام علي ذلك بعمليات قتل جماعية. مطالب “التجمع” كانت العودة إلي الحياة الديمقراطية وإيقاف تدخل الجيش في الحياة السياسية وسحبه من المدن. لم يكن لدينا وسائل إعلام. النظام وضع كل من عارض في خانة واحدة مع الإخوان على أنهم عملاء لهم. كنا الأكثر نشاطاً بين الأعضاء في التجمع حينها. فتمت ضربة التجمع بحملات واسعة طالت مثقفيه وكوادره، الأحزاب الأخرى عانت من الاعتقالات إلا أنها كانت مخففة خاصة وأن هذه الأحزاب اتخذت سياسة التقية مع النظام وبدأت بالانشقاق. نحن نلقي بالإدانة الأساسية على النظام الذي استخدم العنف، لم نكن مع عنف الإخوان إلا أننا لم ندنه كي لا ندخل في صراعات معهم كما حصل مع رابطة العمل، وذلك لم ينقذها من الاعتقال. تم اعتقال الكثير من اليساريين والنقابيين، إلا أن الفرق بيننا وبينهم أنهم كانو في وضع معادٍ مع المتدينين وأننا لقينا قبولاً بين المتدينيين بأننا شيوعيين بس “أوادم”، شيوعيين لكن ليسو ملحدين! هذا داخل السجن وخارجه. وبدأت حالة من السبات، لم يعد هنالك ما يسمى سياسة في سوريا إلا في الأقبية وبالتالي لا قيمة لها على الإطلاق كونها بعدت عن الناس، ولما يقارب 18 سنة.

زادت أمراض النظام الاقتصادية، بدأ يتهالك. مرض حافظ الاسد وخفت قبضته على المعتقلين، لا عن شيء آخر. كان قد انتهى من الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، قتلها، ارتكب مجزرة ضخمة في حماه، خلال 10 أيام قتل 30000. ومقاتلو الإخوان كانو ما بين 200 و 300 فقط. وبحجة أن هنالك قتال في المدينة ضرب بالمدفعية والطائرات لتكون عبرة في سوريا ليضمن بقاءه كنظام. مع صمت العالم المطبق كونه لم ير غير دعاية النظام، لم يكن هناك وسائل اتصال كما اليوم. إضافة إلى علاقاته الجيدة مع المجتمع الدولي، صداقته مع أميركا حيث شاركها حربها في 1991 وعلاقاته مع روسيا وهو المستورد الأساسي لأسلحتها، فاستطاع إقامة التوازن وربح المعركة على المستوى العالمي وصفى خصومه في الداخل، إلا أن ذلك لم يمنعه من التآكل، فمن لم يُقتل في السجون أخرجهم، وقد قتل في السجن عشرات الآلاف ومعظمهم متدينون إضافة إلى الشوعيين، البعض مات تحت التعذيب والبعض بالأمراض وهنالك من مات بعد خروجه من السجن بآمراض السرطان وتحديداً في تدمر، الكثير من رفاقنا قُتلوا فقط لكونهم انتقدوا النظام دون أن يحملوا سلاح.

بعد الإفراج عن المعتقلين السياسيين عام 1998، مات حافظ الأسد عام 2000 وأراد ابنه أن يلقى قبولاً بين الناس، فبدأ بالتكلم عن الانفتاح والديمقراطية وأخرج المزيد من المعتقلين من السجون، فبدأوا بإجراء الاجتماعات التي شارك فيها ما قد يزيد عن المائة وسموها صالونات. منها منتدى دكتور جمال الأتاسي. بدأ حينها ربيع دمشق الذي لم يعش غير سنة أو سنتين ليعيد النظام اعتقالات المثقفين مستفيداً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، مستغلاً انشغال العالم بأحداث نيويورك. بدأت الأزمة في لبنان وأعيد انتخاب لحود، ثم قتل النظام لرفيق الحرير، فبدأت الضغوطات عليه. أُجبر النظام على الانسحاب من لبنان تحت ضغوط شعبية لبنانية وكذلك دولية. نحن نريد علاقات مع لبنان لكننا لا نريد أن نكون قوة احتلال، لنا علاقاتنا الجيدة مع اللبنانيين على المستوى الشعبي والحزبي والمثقفين. ظهر حينها إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي، وفيه أسس للتغيير وقّعت عليها الأحزاب اليسارية التي كانت في التجمّع إضافة إلى الإخوان المسلمين وإسلاميين آخرين. وبدأ النظام باعتقالات طالت أطراف الإعلان، هنالك من خاف وانسحب. أما الإسلاميين فلم ينسحبوا بل تعاونوا مع عبد الحليم خدام وكان ذلك بمثابة انسحاب.

الناس واصلت الحديث عن التغيير والديمقراطية وإنما بطرق سلمية. بدأت الثورات في تونس ومصر ثم ليبيا واليمن. التغيير الذي حصل في مصر وتونس أتى بسهولة نسبية، أعطى الأمل للناس بأنها قادرة على التغير. فتحركت الناس في سوريا بشكل أولي وبسيط، ففي دمشق في سوق التجار، أهين أحد التجار وضرب من قبل المخابرات، وهو أمر عادي وليس مستغرباً، فخرجت الناس بشكل عفوي تصرخ: الشعب السوري ما بِنْذل. ثم درعا المدينة التي تعاني من القحط والفقر، طلّاب مدارس أطفال كتبوا الشعارات التي سمعوها في التلفزيونات في تغطيتها لثورتي مصر وتونس. فاعتقل ما يقارب 18 طفلاً ورفضت كل محاولات الوساطة لاخراجهم. يعذبونهم ويقلعون أظافرهم، ثم يخبرون أهاليهم بأن اجعلوا نساءكم تنجب لكم غيرهم وإن لم تكن لكم قدرة ابعثوا بهن لنا. إضافة لتعذيب الأطفال وقتلهم، قاموا بإهانة الناس بشرفهم. هذا ما جعل الناس تهب مرة واحدة وهي لديها أمل بأن التغيير ممكن كما رأوه في مصر وتونس.

في سوريا بدأت الثورة بالناس الأفقر، وهذا صراع طبقات حقيقي. الثوار هم من الناس العاديين الذين لم يعملوا بالسياسة مطلقاً، بل ثاروا بسبب الفقر والبطالة والقهر وبدأوا يطالبون بالحرية. المزاوجة بين المعارضة الختيارة التي قال عنها رياض الترك أنها في السبعين من عمرها وما بين ثورة الشباب وهي في العشرين، هذا سؤال الأحزاب. حزبنا (الحزب الشيوعي الذي صار اسمه حزب الشعب الديمقراطي) و«إعلان دمشق» تبنوا شعارات الشباب فور إطلاقها، وهي التي ناضل سنين لأجلها، هي مزاوجة لكننا لسنا قيادة، بل إن صح التعبير أصبحنا مستشارين، الأحزاب التي بقيت مع النظام فقدت قواعدها لصالح الثورة. لسنا الوحيدين في الثورة، طبيعة الناس أنها متدينة، إضافة إلا أن الإخوان لم يعد لهم أحد على الأرض لأن أي اتهام بالانتماء لهم كان يجر للإعدام. إلا أن لديهم إمكانيات مالية كبيرة والناس بحاجة للدعم المالي وحتى بالسلاح بعد انشقاقات الجيش، هم بدأوا العمل الإعلامي مع الثورة رغم أنهم جمدوا عملهم المعارض لفترة بحجة دعم النظام لحركة حماس، هنالك مفاوضات مع النظام عن طريق إخوان مصر والأردن وحماس ليرجعوا إلى سوريا إلا أن النظام لم يكن يقبل بالفكرة جملة وتفصيلاً، فالتحقوا بالثورة فيما بعد وركبوا الموجة. نحن لا نريد الصراع معهم ولا الالتحاق بهم، فقط نريد أن نصل إلى اسقاط هذا النظام بجهود الجميع ولدولة مدنية ديمقراطية، حذفنا صفة العلمانية كي لا يتحسس منها المتدينيين.

محمد عدي في الستاند

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s