سياسة
اكتب تعليقُا

اليسار الفلسطيني والثورة السورية:

السؤال الأخلاقي

 قد يستغرب البعض مواقف الأحزاب الشيوعية الرسمية العربية من الثورة السورية، وهي ثورة شعبية امتلكت كل الأسباب الذاتية والموضوعية لتندلع في وجه طاغية، تنادي بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فعلاً قد نستغرب ذلك في وقت صدّعت فيه رؤوسنا هذه الأحزاب بالمفردات ذاتها في بياناتها وتنظيراتها. وقد يزيل شيئاً من هذا الاستغراب أخذَنا بعين الاعتبار مواقف الأحزاب الشيوعية السورية الرسمية من الثورة، كونها جزء مما تسمى الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها حزب البعث، وبالتالي جزء من آلة قمع الثورة.

لأوجّه مقالتي هذه في مسارها الصحيح، لست أتكلم عن اليسار العربي، لا أحزاباً شيوعية رسمية ولا يسارية ديمقراطية أو ثورية. بل عن أحزاب اليسار الفلسطيني تحديداً، وموقفها من الثورة السورية. تلك الأحزاب التي ملأت الدنيا قولاً (وللتاريخ: فعلاً) ثورياً تنادي بحقوق شعبها الفلسطيني في الحرية والتحرر وحتى بناء المجتمع الاشتراكي في دولة فلسطين الحرة كما تصرّح أنظمتها الداخلية الكريمة، وكي لا أتكلم في الفراغ، المقصود هنا كلاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وحزب الشعب الفلسطيني، إضافة إلى فتات فصائلي هنا وهناك. لا تخرج هذه الأحزاب عن المدار الذي يدور حوله معظم اليسار الكلاسيكي العربي، بأحزابه الشيوعية الرسمية والهرمة.

من خلال بيانات التنظيمات الثلاثة ومواقعها الالكترونية، ومواقفها السياسية المعلنة، وغير المعلنة التي تنسل إلينا عبر (مثلاً) مواقف «شبيبتها» و«ختياريتها» في موقعَي فيسبوك وتويتر، نلاحظ وقوفاً فجاً غير مبرر مع النظام الدموي في سوريا. هؤلاء اليساريين الثملين بقضية فلسطين فأعميت عيونهم وعقولهم وقلوبهم عن ثورات أخرى، عن مصائب أخرى لا تقل في مآسيها. لست هنا أتكلم عن الفلسطينيين بالطبع، بل التنظيمات اليسارية الثلاثة وتحديداً أفرعها في الضفة وغزة ومتحزّبيها (إضافة إلى شيوعيين وقومجيين داخل الـ ٤٨)، والتي تطرح مواقفها في سياق الموقف الشيوعي الرسمي العام والمخجل من الثورة.

لكن كيف تبرر هذه التنظيمات هذا الانشقاق الصامت أفقياً وعامودياً في بنيتها التنظيمية والوطنية؟ مَن مِن هؤلاء الثلاثة ينكر الشرخ العميق والشاسع بين أفرعها في داخل الوطن، وبين أفرعها في سوريا، وتحديداً بين الشباب؟ كم خسرت التنظيمات الثلاثة من كواردها في سوريا، وتحديداً «الجبهة الشعبية» التي مثلت عند كثيرين أملاً في اليسار الفلسطيني (ما لم تمثله غيرها من التنظيمات) كما تمثل الآن خيبة في أخلاقية مواقفها الثورية والإنسانية ما يتناقض مع تاريخها النضالي؟

لكن كيف تبرر هذه التنظيمات هذا الانشقاق الصامت أفقياً وعامودياً في بنيتها التنظيمية والوطنية؟ مَن مِن هؤلاء الثلاثة ينكر الشرخ العميق والشاسع بين أفرعها في داخل الوطن، وبين أفرعها في سوريا، وتحديداً بين الشباب؟ كم خسرت التنظيمات الثلاثة من كواردها في سوريا، وتحديداً «الجبهة الشعبية» التي مثلت عند كثيرين أملاً في اليسار الفلسطيني (ما لم تمثله غيرها من التنظيمات) كما تمثل الآن خيبة في أخلاقية مواقفها الثورية والإنسانية ما يتناقض مع تاريخها النضالي؟ كم ضُربت هذه التنظيمات في مصداقيتها إن تحكي الآن عن الثورات، عن الشعوب، عن الحرية والحريات، وعن الوعي السياسي والتاريخي وعن المراهقة اليساروية والقومجية، والأهم حين تحكي عن السوريين والفلسطينيين الذين يُقتلون باسم الممانعة وبمشاركة تنظيرية «ستالينية»؟ هذه التنظيمات الثلاثة التي، كغيرها من أحزاب شيوعية شائخة، ما تزال معتقدة بأن موسكو شيوعية، والأنكى أن لا يحرّضها «وعيها السياسي والتاريخي» على التفكير بمستوى أعمق من: أرى ما تصرّح به أميركا عبر الإعلام لأبني موقفاً ثورياً شرساً يناقضه، وما يؤكد صحة موقفي اليساري الشرس تبعيته المسبقة (قد تعودوا على ذلك) لموسكو وبيكين.

أي خيبة يلحقها اليسار الفلسطيني بشباب أراده مخلّصاً من المصيبة المزدوجة «فتح-حماس»، وفصائله الثلاثة الرئيسية لا تزيد عنهما وعياً ولا تقل عنهما في حاجتها إلى إعادة تأهيل في إنسانيتها وأخلاقيتها؟ لا حاجة لنا بتنظيمات تكتفي بشعارات وطنية وقومية غريزية تستسهل أن تبني مواقف ستُحاسب عليها تاريخياً، لا حاجة لنا بتنظيمات تسيئ لذكرى ثورتنا الفلسطينية.

هذه التنظيمات الثلاثة ترتكب ما لن يسامحها عليه التاريخ في شق الموقف الفلسطيني (يسارياً تحديداً) تجاه الثورة السورية. أي مبرر أخلاقي ستحكيه للشباب المتمسكين بالفكرة الرومانسية لليسار الفلسطيني وتاريخه؟ أي مبررات خرقاء ستواجه قيادات هذه الأحزاب بها كوادرها لاحقاً؟ الجبهتان الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب، أي مبرر لهم فلسطينياً وعربياً إن كانت لهم مواقف سياسية وتاريخية تعوزها الأخلاق والوعي؟ كنا نقول أن ما تختلف عليه فتح وحماس لا يشكل فرقاً لدينا، أي أنهم يختلفون فيما بينهم بما يتفقون به لدينا. التنظيمات الثلاثة الآن، فليخبرونا نحن الشباب الذي مثلوا لديه يوماً أملاً فلسطينياً وعربياً، أين يختلفون أخلاقياً عن فتح وحماس؟ فليبرروا لنا «يساريتهم».

هذه الثلاثة، وهي تحمل عبء مفردَتي «اليسار» و«الفلسطيني»، لا نطلب منها غير موقف سياسي أخلاقي إنساني وطني قومي على الورق، فقط موقف يحفظ لهم تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم، لا أكثر ولا أقل، أشدد: لا أكثر.

للإشارة فقط:

لم أذكر الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (أو الحزب الشيوعي الإسرائيلي) وفيها الكثير من فلسطينيي الداخل، لأن حاجتها للموقف الأخلاقي سبقت اندلاع الثورة السورية وامتلأت هذه الحاجة بكثير من مواقفها من القضية الفلسطينية، لكن مع الثورة مؤخراً، ما عادت للجبهة «أخلاقيات» تُنسب مواقفها إليها، تدنت بحيث استحال اقتفاء أثرها حتى.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s