سينما
اكتب تعليقُا

أجساد وظلال: الكارافاجية في فرنسا

هي المرة الأولى التي يقام بها في فرنسا معرضاً مكرساً تماماً للحركة الكارافاجية (Caravaggesque)، لأتباع الرسام الإيطالي الشهير مايكل-أنجلو كارافاجيو الأوروبيين. فرنسا بجميع مدنها، حيث الفنون والمتاحف الدائمة والمعارض المؤقتة المتواترة على هذه المتاحف، تكرّم للمرة الأولى مذهب الكارافاجية الفني في معرض ضخم توزّع على مدينتي تولوز ومونبيلييه الجنوبيتين. في محتف أوغستين في الأولى (Musée des Augustins) ومتحف فابر في الأخيرة ((Musée Fabre de Montpellier Agglomération.

فتح المعرض في المدينتين أبوابه في الفترة ما بين ٢٣ يونيو و ١٤ أكتوبر، على أن يقام المعرض لاحقاً وبشكل جزئي في الولايات المتحدة، متحف كاونتري للفنون في لوس أنجلس ومتحف وادزوورث أثينيوم في هارتفورد، وتنظّم المعرض في كل من فرنسا والولايات المتحدة منظمة التعاون الثقافي الفرانكو-أمريكية FRAME. وقد اختير للمعرض الذي يحوي تشكيلة من الأعمال الرئيسية للحركة، عنواناً مستلهَماً من التقنية الأساسية في الأعمال الفنية للكارافاجية الأوروبية، وهو «أجساد وظلال».

تولوز ومونبيلييه، المدينتان الأكبر فيما عُرف قديماً بإقليم لانجودو، جنوبي فرنسا، كانتا قد تأثرتا بالكارافاجية منذ بدايات القرن السابع عشر، ما يجعلهما مناسبتين لتنظيم معرض كهذا، وعرض المتحفان في المدينتين تشكيلتين متكاملتين من الأعمال الكارافاجية:

في تولوز عُرضت الأعمال الفلامية والهولندية، من الرسامين الأوائل الذين سافروا إلى إيطاليا (هونثورست، شيغر، ستوم، سويرتز..) إلى المتأثرين بهم (جوردانز، رامبرانت..). أما في مونبيلييه فعُرضت الأعمال الفرنسية والإيطالية والإسبانية، من كارافاجيو وأتباعه الأوائل (جنتيلشي، مانفيردي..) إلى المتأثرين بهم من الأسبان والفرنسيين، كما عُرضت أعمال واقعية لجورج دو لا تور. معرض كهذا لم يُعرض في فرنسا منذ ما يزيد عن الخمسين عاماً، ما سيلقي الضوء على هذا المذهب الفني وهذه الحقبة الفنية في فرنسا والعالم.

كما أن رؤيته الفنية للمشاهد الدينية قد دمجت بين العادي والمقدّس فاسحاً المجال أمام الفن الدينيّ للوصول إلى الناس العاديين. إضافة إلى أنه كان رائداً في المفاهيم الجديدة في الرسم، كالمشاهد اليومية بما فيها من ألعاب الورق والحانات والعرافين والموسيقيين وغيرهم.

يُعرف مايكل-أنجلو كارافاجيو بأنه أحد الرموز الفنية الثورية في الغرب، ولد عام ١٥٧١ في مدينة ميلان الإيطالية، وقد لمع نجمه في المشهد الفني الروماني في زمن تصاعدت فيه جماليات فن الباروك، وبفضل التمايز والابتكار أوجد كارافاجيو لنفسه مكانة لامعة بين معاصريه، فقد كشفت أعماله عن حس مأساوي بقدرات فنية لم يبلغها أحد من قبله، ويعود الفضل في ذلك إلى أسلوبه الفريد في التوزيع المتباين للضوء والظلال في لوحاته، وبكيفية خلقه لمشهدية هذه اللوحاته، كما أن رؤيته الفنية للمشاهد الدينية قد دمجت بين العادي والمقدّس فاسحاً المجال أمام الفن الدينيّ للوصول إلى الناس العاديين. إضافة إلى أنه كان رائداً في المفاهيم الجديدة في الرسم، كالمشاهد اليومية بما فيها من ألعاب الورق والحانات والعرافين والموسيقيين وغيرهم.

سرعان ما زاد اهتمام الوسط الفني بكارافاجيو، صار نجماً إن صحّ التعبير، ما حدا بكثيرين إلى محاكاته، تأثر أتباعه الأوائل (باغليون، جنتلشي..) بمقاربته المباشرة للواقع. آخرين (كاغناتشي، غرتشينو..) حافظوا على التزامهم بكلاسيكيات مذهب الباروك الحازمة، إلا أنهم لم يقاوموا إغراءات بعض المفاهيم الفنية التي وضعها كارافاجيو من خلال أعماله.

شكّلت أعمال كارافاجيو مذهباً فنياً حيث تجمّع حولها في روما العديد من الفنانين الشباب، ومن مرجعيات فنية مختلفة، لتخليد وتطوير أسلوبه في الرسم. تلميذه، مانفيردي، مرّ على أهم ما في إرثه، فنانين أجانب، بشكل رئيسي فرنسيين (فويي، فالنتان..)، إضالف إلى فلاميين وهولنديين (شيغر، هونثورست..) انفردوا بمواضيع مثل ألعاب الورق والخدع والعراك بعد أن برزت بوضوح في أعمال مانفيردي. اهتمت مدرسة أتريخت (المدينة الهولندية) بأسلوب توزيع الضوء والظلال بشكل تنافري وهو ما تمثّلت ذروته في أعمال رامبرانت.

وكما انتشرت موضوعات وتقنيات الرسم عند كارافاجيو في باقي أنحاء أوروبا، فقد توزع أسلوبه ليصل ويتخلل إسبانيا، منطلقاً من نابولي، المدينة التي تردد إليها كارافاجيو مرتين. هنا، تم تمثيل نزعته إلى الظلام من قبل رموز لامعة مثل ريبيرا، زرباران وآخرين. أما جورج دو لا تور فكان صلة الوصل بين الثقافات والفنون الشمالية والإيطالية والفرنسية، وأثرت الكارافاجية كثيراً في أعماله وتحديداً في تقنية الضوء والظلال فيها. وقد قاد تمثيله للكارافاجية إلى جماليات أكثر تأملية وأقل تنافرية.

(الصور التقطتها من متحف أوغستان في تولوز)

في القدس العربي. نشرت في ٢٦/١٠/٢٠١٢

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s