أدب
اكتب تعليقُا

مواعيد حمراء

نُشرت في مجلة الدوحة الثقافية في أكتوبر ٢٠١٢ 

«تشبه ورداً رجيماً» لفرج بيرقدار

لا بد أنّ أدباً جديداً سيبدأ بالظهور في سوريا في السنوات القليلة القادمة، تكون ثيمته الأساسية الثورة المندلعة الآن هناك، ولعلها الحال الأكثر صحّية إن كانت سيرورة الأدب تتميز بحالة أدبية ما كـ «أدب السجون» يكتبه معتقلون إما من بين جدران معتقلاتهم كما الحال في كتاب بيرقدار الأخير أم في فضاءات حرياتهم بعد الخلاص من معتقلاتهم، فيلحقها أدب لنسمّه افتراضاً «أدب الثورة»، يكتبه أدباء شاركوا بها، مهما كانت وسيلة المشاركة. كأنما الأول يقود حتماً إلى الثاني، وبشكل طبيعي.

أميل إلى الاعتقاد بمدى صحيّة ذلك، أن الأدب يخرج من المجتمعات ليرجع إليها، وأن أدب سجون بهذا العمق الذي قرأناه لأدباء سوريين (وعرب كون التجارب شبيهة «سجوناً وأدباً») لا بد سيعقبه أدباً يخرج من ثورة ليعود إليها.

هنا سنتوقف قليلاً عند أدب «العقد الأخير» لما قبل الثورة السورية. أدب قد يمثّل مرحلة انتقالية بين السجن والثورة، ولعلّه ينقل لنا بشاعات السجن في ذروتها، في مراحلها الأخيرة، فتنعطف سيرورة المجتمع وتالياً الأدب بثورة شعب قد لا يخلو منه بيت فيه معتقل أو مخطوف أو قتيل.

أكتب ذلك وفي ذهني الديوان الجديد للشاعر السوري فرج بيرقدار «تشبه ورداً رجيماً» (دار الغاوون ٢٠١٢). كُتبت القصائد جميعها في سجن صيدنايا في السنين الخمس الأخيرة من القرن الماضي، في أجواء ما قبل «ربيع دمشق». كتبها وهرّبها لتسبقه إلى حريتها..

في القصائد الست عشرة لهذه المجموعة سنجد السجن في أبشع حالاته، وأكثرها تكثّفاً، ربما لأنها في أكثرها وضوحاً؛ يسأل بيرقدار في إحدى قصائده: « لماذا إذن لا أقول الذي ينبغي/أن يقالْ؟!/أليس الطغاة طغاةً؟/بلى…/والمواعيدُ زرقاء/تدنو سماواتها ثم تنأى/ولكنها لا تغيبْ.».

في القصيدة ذاتها «الطريق»، يكتب بيرقدار كأنه يريد أن يواسي ذاته في وحدة وعتمة وضيق السجن: « أحدٌ بينكم قال لي/ذات كأسٍ مقدَّسةٍ:/كلُّ وردٍ جميلٌ/وكلُّ جمالٍ حزينْ.» كأنه يوقن في السجن مسلّمة أن الطاغية طاغية، ويستغرب أي تحوير لها، لكنه ومن المكان ذاته، يستنطق من يمكن أن يطمئنه ويسلّم له بأن الورد فعلاً جميل، أن هنالك جمالا في هذا العالم، إلا أنه يستدرك أن هذا الجمال، وفي معتقلاتٍ كهذه تقاسم الشاعر حياته، سيكون حزيناً وسيقى حزيناً طالما هنالك طاغية يزحم البلاد بسجونه ويزحمها بأهل البلاد.

تظهر قتامة السجن في هذه القصائد بقدر الجمال الذي نقرؤه فيها كذلك، إنما بكل تناقضاتهما، الكتاب مليئ بها، وكل منهما يمعن في تباعده عن الآخر، كلّما تجاورا بين الأسطر. قصيدة «شكوى» قد تلخّص بقصرها مكمن الجمال في هذه القصائد، وهو ما يوصلنا إلى مكمن البشاعة في حياة السجن: «أحلامي بيضاء/وكم يؤلمني/أن أكتبها/في آخر الليل/بحبرٍ أسودْ.».

كتب بيرقدار قصائده في المعتقل، في ظروف لا نعرف كيف أمّن بها قلماً وورقاً، ثم كيف هرّبها، لا نعرف شيئاً عن ظروف وحالات الكتابة، إلا أن الأوطان تظهر في أكثر حالاتها نصاعاً في أدب يُكتب في المعتقلات، هذا إجمالاً وهو كذلك هنا. فكرة الوطن تختلف من إنسان لآخر، من مثقف وشاعر لآخر، وطالما أن التسمية تلحق المسمّى لا تسبقه، سيكون ما نراه من خارج السجن وطناً، سيكون عنواناً ضائعاً، أو محجوباً، عند من يرونه من داخله، ليبحثوا من عندهم عن وطن فقدوه، تاه عنهم، سيكون خليطاً من ذكريات (والذكريات الجميلة هي التي تبقى) وخيالات وأمنيات وأفكار تنسّق كل ذلك، فتكون فكرة «الوطن» بأنضج وأجمل حالاتها، وهي التي يجدها المعزول عنها في المعتقل (كما كان بيرقدار) والمنفي منها (كما هو الآن في ستوكهولم). يختم قصيدة «ربيع ١٩٩٩» بالآتي: «فأنا أبحث عن عنوان ضيَّعه الرعيان/وسمّاه الشعراء مجازاً وجوازاً:/وطني.».

لسجن تدمر في سوريا صيت طغى على تاريخيّة المدينة الأثرية، يثير هذا الاسم الرعب، وإن كانت «تدمر» جديرة بمشاعر الفخر لدى السوريين. سمع الناس عن السجن أكثر مما قرأوا، وما لم يسمعوه (بعد) يزيد كماً ونوعاً، في بشاعته طبعاً. كتب بيرقدار في صفحتين من «تُشبه ورداً رجيماً» واصفاً عذابات سجن تدمر وسجون سورية أخرى، سارداً بعض تفاصيل بعضها، مقدّمها إلينا بالتالي: «يشبه الموتُ أدنى الذي بلغت روحُنا/في الزنازين./خلِّي جهنمَ تَدمُرَ في حالها/وخذي الأمثلة:»

كتاب كهذا ( كيف هي الحياة والورود فيه رجيمة؟!) كُتبت قصائده قبل أكثر من عشر سنين من اندلاع الثورة، يمثّل المقدّمة الضرورية لفهم الثورة، ولفهم الحالة السوسيولوجية والسياسية والنفسية لسوريا ما قبل الثورة.

لبيرقدار قدرة على تكثيف بشاعات المعتقل وصياغتها في قصائد لن نلمس منها غير الجمال، غير ورود وياسمين دمشق، لكننا لا بد أن ننتهي من الكتاب، نغلقه. ستبدأ حينها تلك البشاعات بالظهور، في نومنا، في يقظتنا. لعلّها هنا تكمن جمالية ومتانة قصائده.

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s