سياسة
اكتب تعليقُا

الجدار الشهير: الجيّد في الأمر..

(عقيدة العزل) 

ليس العزل فكراً وممارسة جديداً على العقلية الصهيونية، أو لأكون دقيقاً أكثر أقول اليهودية. إلا أنها أخذت مع الصهيونية مدلولاً مختلفاً تماماً، لا بمعنى التناقض، بل استبدال مواقع بأخرى، لا أكثر.

عانى اليهود في معسكرات الاعتقال النازية من فكر وممارسة العزل عند النازيين، فعُزلوا في “غيتوهات” مسوّرة بجُدر وأسلاك شائكة لمبرّرات عنصرية أوغلت بها النازية. وعلى ما يبدو وجد اليهود في ذلك أمراً مؤلماً وبشعاً لهم كمعزولين، فنشأت لديهم، أو أقول لدى الصهيونية التي قامت على تمثيلهم، الفكرة ذاتها بتبديل بسيط في الأدوار: تُخلى مواقع النازيين لهم، ويأخذ الفلسطينيون، مكرهين، دور اليهود في ممارسة فعلية لعملية العزل، بدأت بالأسلاك الشائكة والعسكر، ولم تنته بجدار الفصل بين فلسطين ومصر، الوطنَين، مروراً بفصل داخلي لفلسطين يتمثّل بما عُرف بجدار الفصل العنصري.

درجت إسرائيل على نشر وتكرار فكرة أنها مستهدفة، تعيش بين دول تنتظر لحظة الانقضاض عليها وأنها واحة الديمقراطية وإلى غيره من العبارات التي تعكس حالة العزل النفسي الذي تعيشه فعلياً الدولة العبرية والذي تستخدمه كتبريرات “أخلاقية” وسياسية للرأي العام الدولي ومجتمعها الداخلي، كي تبني الجدر الاسمنتية، أو الملموسة بكل أشكالها.

لن نختلف على أن إسرائيل مستهدفة، لكن ليس من الدول المحيطة (أو على الأقل قبل اندلاع/استمرار ثورات شعوبها) بل من شعوب هذه الدول، أي أن شعورها بالخطر على وجودها حتى، سيكون مبرّراً في السنوات القليلة القادمة إن سار دولاب الثورات بمساره الصحيح. وهنا أفهم خوف إسرائيل على وجودها، وإصرارها على بناء جدر حدودية، بين فلسطين التاريخية وبين جيرانها. وكل الأمل في أن نصل كشعوب ودول إلى الحد الذي تجد فيه إسرائيل كل الأسباب للخوف على وجودها برمّته، فتهجس ببناء الجدر.

لكن بالرجوع إلى الوضع الحالي، إلى الجدر التي تبنيها إسرائيل منذ سنين، فهو كما سبق وذكرت محاولة صهيونية لنسخ التجربة النازية التي خبروا كم هي مؤذية، وكم ستكون مؤذية، بالمقابل، للفلسطينيين. لكنها تنجر، جداراً بعد آخر، إلى سياسة منهجية في العزل، بدأت بعزل نفسها، وستنتهي بعزل نفسها، بدأت بتخوّفات هي أقرب إلى ادّعاءات فارغة تبريرية لسياساتها، وستنتهي بعزل استراتيجي لنفسها كورقة أخيرة لا بدّ منها قبل “الانقضاض” الفعلي للشعوب المحيطة، عليها. كأني أذكر هنا القول النبوي: (لا تمارضوا فتمرضوا، ولا تحفروا قبوركم فتموتوا).

بالاطلاع على الخرائط والأرقام سنجد أن جدار الفصل العنصري، وهو المشروع الأضخم المجسّد لفكرة العزل عند الصهيونية، سنجد أنه يتعدّى فكرة العزل إلى أخرى قد تكون إعدام رحيم لـ “حل الدولتين”. أقول “رحيم” لأنه الحل الأكثر إجحافاً للاجئ الفلسطيني خارج وطنه أولاً، وثانياً للفلسطيني في المناطق المحتلّة عام 48، أي في إسرائيل ذاتها، كونه سيحول دون عودة الأول إلى وطنه الفلسطيني، ودون عيش الأخير في دولته الفلسطينية.

لعلّ فكرة الجدار الالتوائي المبني على أساس الحجّة القديمة/الجديدة لإسرائيل وهي حماية حدودها وأمنها، تنتهي إلى وظيفة أكثر استراتيجية عند هذه الدولة، وهي مفهومَي الدولة الإسرائيلية والدولة الفلسطينية، فبدأت بقتل هذين المفهومين لتحقيق مفاهيم كانت توراتية أو أيديولوجية أو سياسية أو مهما يكن، لكنها بالنهاية مفاهيم الدولة اليهودية على كامل ترابنا الوطني، وهو ما لا يتعدّى كونه خيالاً رومانسياً صهيونياً يتأسّس على تغييب حقيقة أن لهذه الأرض شعبها الفلسطيني، والعربي.

من الفكرة الأخيرة نصل إلى أن إسرائيل كما بدأت بتمارض برّرت به عزل نفسها وعسكرة حدودها (وعسكرُ الأنظمة العربية كفيل بذلك) إلى أن مرضت به فعلاً وصارت هذه الجدر حاجة استراتيجية لها، فإنها بدأت بفكرة الدولة الإسرائيلية الواحدة على كامل التراب، لضرب فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة، لتصل فعلاً إلى نهاية واحدة ستكون دولة فلسطينية واحدة على كامل التراب مقروناً يزوالها.

ولكن، إن تركنا القيادة الفلسطينية على جنب قليلاً، أليس هذا ما يريده الفلسطينيون وما قاتلوا من أجله ويقاتلون بشتى الوسائل؟ دولة على كامل التراب تكون فلسطينية، وهو ما يساعد عليه فكر وممارسة الفصل والعزل الإسرائيلي. ربّما لأنهم يفكّرون مثلنا: إما البلد (بلدنا) كاملة وإما لا شيء.

هذا التشابه في الكيفية التي تبدأ إسرائيل بها تحقيق مشاريع على تبريرات ظاهرية غير ذات صلة، وتستمر المشاريع إلى أن التبريرات تتغيّر، التصرف الاحترازي سيصبح استراتيجياً، أكان في العزل وبناء الجدر وتسييج حدود الدولة أم في الحدود ذاتها وكينونة ومصير هذه الدولة، التمارض سيستحيل مرضاً، هذا التشابه لعلّه سيتكرّر بصيغ أو بأخرى، قد تكون استحداث جدر وعوازل مبتكرة بينها وبين أي شيء آخر كتجسيد اسمنتي لهاجس نفسي، فليكن.

جدار الفصل العنصري لم يعد جدار فصل عنصري، لعلّه بدأ كذلك، لكنه سرعان ما تحوّل ليصير جدار تقويض ومن ثمّ إعدام حل الدولتين. للجدار تأثيراته البشعة جداً على حياة القرويين في الضفة الغربية حيث تقطّعت أراضيهم إرباً، له تأثيراته البشعة على الفلسطينيين حيثما تواجدوا وحيثما توجّهوا داخل الضفّة، على الطلاب والعمّال والفلاحين والموظفين وغيرهم، صحيح تماماً، لكن لا خصّ للعنصرية في ذلك، الجدار لا يفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لا فعلياً ولا نظرياً. هو بالأحرى يفصل الفلسطينيين بعضهم بعض، ينكّل بهم، يقسّم أراضيهم ويفصلها عن أصحابها. هو إذن جدار استراتيجي للسيطرة التامة على الضفة ولقتل أي فكرة لدولة فلسطينية تقام على حدود الـ 67. ولكن، إن تركنا القيادة الفلسطينية على جنب قليلاً، أليس هذا ما يريده الفلسطينيون وما قاتلوا من أجله ويقاتلون بشتى الوسائل؟ دولة على كامل التراب تكون فلسطينية، وهو ما يساعد عليه فكر وممارسة الفصل والعزل الإسرائيلي. ربّما لأنهم يفكّرون مثلنا: إما البلد (بلدنا) كاملة وإما لا شيء.

بدأت الصهيونية مشروع دولتها بأفكار عنصرية تقوم على عزل نفسها عن الآخرين في المنطقة وانتهت إلى ضرورة “قومية” لهذا العزل، ليس تجسيداً ساذجاً كما بدأته ومما تذكره من الممارسة النازية الساذجة بحد ذاتها، بل هذه المرة بكل وعي وإدراك أنها فعلاً نبتةٌ فاسدة في غير أرضها، وأن إطالة عمر هذه النبتة سيكون بإمعان العزل، ليس عزل الآخرين بل عزل ذاتها عنهم.

لست أرى أي عنصرية في الجدار الإسرائيلي، بل تكتيكاً سيغدو استراتيجياً إن علمنا أن الغاية منه تأجيل زوال الدولة العبرية. برغم كل ما في الجُدر والعَزل فكراً وممارسةً من أذى يومي على الفلسطيني، هنالك في خباياه، في مراحله المتطوّرة، إشارات لما ينتظره أصحاب هذه الأرض، فلسطينيون وعرب.

في مجلة الدوحة الثقافية – ملف خاص عن الجدار لعدد تمّوز


Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s