سياسة
اكتب تعليقُا

بؤس اليسار الفلسطيني

و «استولوا على السلطة»

أي أسباب بحق السماء تلك التي جعلت أطياف اليسار الفرنسي تتوحّد في “جبهة اليسار”، بل وتتفق على مرشّح رئاسي وحيد هو جان لوك ميلانشون، بل ويصوّت له ما يقارب الأربعة ملايين مواطن فرنسي؟

أحزاب اليسار الفلسطيني، من “الشعبية” “للديمقراطية” “للشعب” لغيرها، ما الجوهري في أي منها والحائل دون وحدتها فيما بينها؟ إن بدأتُ بطرح الأسئلة في هذا الخصوص لن أنتهي، لكني فعلاً أود أن أعرف ما يميّز اليساريين الفرنسيين عن “رفاقهم” الفلسطينيين، فيتوحّدون؟

عندنا من الأسباب الوطنية والطبقية ما يدعو هذه الفصائل للتوحّد، إن لم يكن في حزب واحد، فليكن في جبهة، كجبهة اليسار الفرنسي التي فرضت حضورها في انتخابات الرئاسة مؤخّراً.

لدينا، من ناحية، العدو الإسرائيلي، وهذا سبب وطني ضروري وكافِ لتوحيد اليسار منذ نشأت أحزابه (وقد نشأت بانشقاق). لدينا بالمقابل اليمين الفلسطيني ممثلاً بالفصائل الدينية كـ “حماس” و”الجهاد” وما يمثلانه من “تخلّف” اجتماعي وفكري وابداعي وسياسي… ولدينا “السلطة” الاستسلامية والصورة المسخ عن الدكتاتوريات العربية.

هي ثلاث مطارق تدكّ هذا اليسار المفتّت أصلاً.

وسبب رابع لا بدّ أن يحسم الأمر وهو الحجم “المخيف” لليساريين الفلسطينيين المستقلين، وتحديداً الشباب، من ناشطين ومثقّفين وكتّاب وفنانين… وآخرين ينتظرون يساراً فلسطينياً “محرزاً” يلتحقون به وينشطون فيه.

مهما كانت الأسباب عندهم في فرنسا، لكني واثق أن ليس لديهم لا “فتح” ولا “حماس” ولا احتلال إسرائيلي. إلا أني أعيد طرح السؤال: ما الذي يحول عملياً بين الأحزاب اليسارية الثلاثة وبين توحيدها في جبهة واحدة؟ أقول عملياً لأنهم جميعاً يعتقدون أنهم “نظرياً” موحّدون، لكن كل على حدة، أي لكلٍ “نظريته” الوحدوية الخاصة، والتي تختلف، وقد تتناقض، مع نظريات الرفاق الآخرين.

سأستخرج سبباً ما، مممم وليكن أن كلاً من هذه الأحزب لن يفرّط باسمه وخصوصيته وتاريخه وتراثه كحزب، ككينونة يعتقدون أنها مكتملة بذاتها (ولن يفرّطوا بطبيعة الحال في “لوغو” الحزب). لا بأس. فلنفترض أنهم توحّدوا جميعاً تحت اسم “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، اثنان سيرفضان و”الشعبية” لن تمانع. إن توحّدوا باسم “الجبهة الديمقراطية”، اثنان سيرفضان و”الديمقراطية” سترقص فرحاً. وكذلك الحال مع حزب الشعب الذي، لحسن حظ الشيوعية، أسقط “الشيوعي” عن اسمه، أو بالأحرى أسقط اسمه عنها.

هنا سأسأل “اليسارات” الفلسطينية، هل يؤمنون بفكرة الاستيلاء على السلطة؟ وإن فعلوا هل يجرؤون على التصريح بذلك؟ وفي حملة انتخابية؟ بل في الأساس، هل يصرّحون بتسمية “اليسار الفلسطيني”، دون خجل؟

ليس الأمر بالسطحية التي يبدو عليها، فليتفقوا على اسم غير أسماء الأحزاب الثلاثة، و(طبعاً) غير مشتق من أي منها، وأضمن أنها ستكون الخطوة الأولى تجاه جبهة يسارنا.

أعرف جيداً أن المشكلة الأساس هي في البرامج السياسية لكل حزب أكثر مما هي في الاسم (“الديمقراطية” و”الشعب” أقرب للسلطة)، لكني أثق بما افترضته قبل أسطر، وإن دلّ ذلك على شيء فسيكون حتماً سطحيّة وفئوية و”شوفة حال” هذه الأحزاب، وبالأخص، العقليات القديمة والكلاسيكية والمحافِظة المتحكّمة بها.

بالعودة إلى “جبهة اليسار” في فرنسا، وإلى مرشّحها ميلانشون، قد أنهي الموضوع كله هنا، حين أذكر بأن أحد شعارات ميلانشون كان وبكل وضوح “استولوا على السلطة”.

هنا سأسأل “اليسارات” الفلسطينية، هل يؤمنون بفكرة الاستيلاء على السلطة؟ وإن فعلوا هل يجرؤون على التصريح بذلك؟ وفي حملة انتخابية؟ بل في الأساس، هل يصرّحون بتسمية “اليسار الفلسطيني”، دون خجل؟

أطرح سؤالي الأخير وفي ذهني رد أحد هذه القيادات حين سألته قبل عشر سنين عن استبدال عبارة “القوى اليسارية” في بياناتهم بـ “القوى الديمقراطية”، كان الرد بائساً بصراحة.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s