أدب
اكتب تعليقُا

حوار مع جريدة السفير عن: كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك

الفلسطيني ليس مناضلاً بالضرورة ولا بالفطرة

قد يكون الأدب تفاصيل أكثر مما هو قضية

حاورته: عناية جابر

سليم البيك كاتب فلسطيني من قضاء عكا، ولد في ابو ظبي عام 1982، صدر له حديثاً مجموعة قصصية بعنوان: « كرز، او فاكهة حمراء للتشيز كيك» عن دار الأهلية للنشر في عمان ومؤسسة القطان في رام الله. كان صدر للكاتب مجموعة نثرية بعنوان «خطايا لاجئ». سليم البيك يحرر ويصمم مجلة «رمان» التي تعنى بالثقافة والفن الفلسطيني، كما يرسم الكاريكاتير وينشره في أكثر من مطبوعة. عن إصداره الجديد كان هذا الحوار:

..

الاستهلال في مدخل المجموعة لابن قيّم الجوزية يودي مباشرة الى نصوص مبتعدة عن الأفلاطونية، زاخرة بالحسية في أكثر حالاتها رقياً وعاطفة؟

بالتأكيد، لعلّ القصص هذه أبعد ما يمكن عمّا يُعرف بالحب العذري، أو الأفلاطوني. تبدو الشخصيات الراوية فيها، وهي بلسان الرجل كطرف في علاقة على وشك أن تبدأ أو تنتهي، تميل إلى حب المرأة لذاتها، بكل ما فيها من لذّات حسيّة؛ بصرية، وذوقية وطبعاً جسدية، بعيداً عن الفكرة الأفلاطونية في حب الحب، أو حب حالة الحب مع امرأة بعينها أو النساء إجمالاً، وهو ما يشترك فيه جميل بثينة وكازانوفا مثلاً، حب حالة الحب، الأول بعذريته والأخير بمجونه. القصص هنا، وانطلاقاً من ابن قيّم الجوزية في جملته «والعشق مركب من أمرين: استحسان للمعشوق، وطمع في الوصول إليه. فمتى انتفى أحدهما، انتفى العشق»، تحكي أولاً عن حالة عشق حسّية يستحسن فيها الرجل امرأة بعينها، وثانياً عن طمع في الوصول إليها، وفي بعض القصص طمع في استكمال هذا الوصول. والحسية ليست بالضرورة انتهاكاً للروحية في العلاقة، فإنّي أرى الروحية في أكثر حالاتها رقياً، تلامس الحسيّة.

تتلصص على المرأة ومفاتنها في كتابة ذكية وحنونة، أكثر ممّا تحبها فعلاً؟

بالنسبة للذكاء، لعلّه الأسلوب، لا أعرف، أتعبني كثيراً، بُنيت هذه النصوص بالحذف أكثر مما هي بالكتابة، ولعلّ أسلوب التداخل بين الحلم والواقع وما يسببه من التباس هو ما يستدعي وصفاً كهذا إن استُحق فعلاً.

جميل أن يكون التلصص على المرأة حنوناً، أو أن يُنقل هذا التلصص بحنيّة، ما يهمني ذكره هنا هو أن التلصص المتردّد في أكثر من قصة كان خجولاً، لم يكن منتهكاً لخصوصيات المرأة، حرص الرجل في كلّ منها على ألاّ يُفتضح أمره. كما أني أعتقد بأن أي علاقة حب لا بدّ أن تبدأ بتلصّص أحد أو كلا الطرفين على الآخر، قد يغلب التلصص على الحب في كثير من القصص لكني أراه يقود إلى حب بين الطرفين إن استكملا حياتهما لوحدهما بعد انتهاء دوريهما في القصص. لعلّ العلاقة تبدأ أو تستأنف فور انتهاء القصص، هذا ما آمله فعلاً.

تأثير السينما؟

المرض والجمال توأم في مجموعتك، كما لو أن الرغبة خلاص وحيد من فخ الموت، مارأيك؟

في القصص شيء ما يحول دون العلاقة الهادئة بين الطرفين، في بعضها يكون ذلك المرض. الرغبة في الشيء، الطمع الدائم في الوصول إليه، الحالة الدائمة بكل ما فيها من حسّية ستؤجّل الموت حتماً، وستسخّف حضوره إن أتى. لكني أكرّر بأن حياة ما ستبدأ من السطر الآخر، غير المكتوب أسفل السطر الأخير في كل قصة، لا أقول بأن هدوءاً ما يحلّ على العلاقة، لكنه استفزاز ما سيستمر في صيغة حياة ما بين الشخصيتين حالَما ينتهيا من أدوراهما. وقبل ذلك، في الفقرات الأخيرة، هنالك انحراف ما، قطع مفاجئ، أو سطر أخير ليس كالنهاية، أو ليس ما يريده القارئ ربّما.

تذخر القصص بالتفاصيل، تفاصيل حسّية وأخرى جسدية وأخرى حياتية…؟

قد يكون الأدب تفاصيل في النهاية، أكثر مما هو قضيّة، أخبرني أحدهم منتقداً أن لا قضّية تحملها هذه القصص، صحيح، فحالة العشق والرغبة والتوتّر في هذه القصص أكثر هشاشة من أن تحمل قضيّة، أي قضيّة يمكن أن ينقلها رجل على وشك أن يخسر حبيبته؟ أو آخر لا يعرف كيف يصلها؟ أو هي بكل بساطة، بعيدة عنه، أو أنها قُتلت برصاص الاحتلال؟ رجل يحمل حبيبته ودمها يسيل على قميصه، أي قضية يمكن له أن يحمل؟ حالته الذاتية آنذاك ستكون قضيته الأكبر.

أعترف بأن النصوص مثخنة بالتفاصيل، لكني لن أرى المشاهد بأجمل ما يمكن دونما تفاصيلها، ليست هذه القصص بيانات سياسية ولا دراسات أنثروبولوجية، الفردية والذاتية عند الشخصيات والأمكنة حتّى، ستحملها التفاصيل السخيفة المهمّشة، وستشكّل أهم ما في النص الأدبي، أو أهم ما في هذه القصص تحديداً كي لا أعمم. وبخصوص التفاصيل الجسدية، فأنا في حالة إعجاب كبيرة بجسد المرأة، إعجاب وامتنان، ومن ضمن ما استحوذ عليّ أثناء الكتابة هو هذا الامتنان لما هو أكثر الأمور الجميلة سطوة في هذا العالم.

لعلّ القصص كُتبت بأسلوب سينمائي، أو أنها تُقرأ سينمائياً، من أين هذه المشهدية في النصوص؟

لن أتملّص من الاعتراف بتأثير السينما على هذه النصوص، ربّما لأنها، السينما، ببساطة تأخذ الكثير من وقتي، ومن أرفف المكتبة، لكني أرى الكثير من الأدب في السينما كذلك، وبالرجوع إلى السؤال السابق، لعلّ السينما تُبنى على التفاصيل أكثر مما يفعل الأدب، قد أكون مخطئاً في ذلك لا أعرف. سألني أحدهم بعد الانتهاء من قراءته للكتاب إن كنت أكتب نصوصاً سينمائية، لم أفعل حقيقة لكني أستفيد من التقنيات السينمائية في الانتقال بين المشاهد، في الأدب. الأدب أكثر حرية ومرونة في تقنياته من السينما، ولعلي استفدت من هذه الميزة أثناء الكتابة، لكنها تصعّب الأمور قليلاً على القارئ، هنالك انتقال سينمائي بين المشاهد في بعض القصص، هنالك إرباك ما قد يستلزم إعادة قراءة بعض الأسطر أو الفقرات لإعادة استيعابها بإدراك جديد، وأعتذر مسبقاً للقارئ على ذلك، أما في السينما فطبيعتها البصرية تسهّل الأمر كثيراً على المُشاهد. سأعترف لك يا عناية بأني في بعض مراجعاتي لبعض القصص اضطررت لإعادة قراءة فقرات بإدراك آخر حرّضت عليه فقرة لاحقة.

هل مررتُ بأحلام في القصص؟

نعم، هنالك ما يمكن أن يُفهم على أنه أحلام، أو هي فعلاً كذلك. هنالك ما يسبب التباساً بين الحلم والواقع وتداخلهما. أحب كيف، أحياناً، تتبادل الأدوار بين الحلم والواقع في حياتنا، بين الوعي واللاوعي، بين ما وقع فعلاً وبين الديجا فو، هنالك حيوات أخرى في حياة كلّ منّا، وموجودة بشكل أو بآخر في هذه الحياة، يجذبني ذلك، ولن أوفّر أي جمال يمكن مقاربته أدبياً، بغض النظر عن نسبة توفّقي في ذلك.

نرجع إلى الواقع الحسّي المتداخل مع الأحلام، والحسّية الملازمة لنساء القصص…؟

طبيعي هذا التلازم، كي نرجع إلى الحسية في النصوص لا بد أن نرجع إلى المرأة فيها، إلى التفاصيل، تفاصيلها وتفاصيل الحياة المعلّقة بها. هنالك روائح، مذاقات، قهوة، كرز، فريز، بندق، ميرمية، نعناع وغيرها، هنالك الألوان، الموسيقى. وللاحتفاء بالمرأة، بحالة العشق معها، بجسدها، لا بدّ من المحسوس، حتى الروح هنا، تصير محسوسة. اللذة تُدرك بالإحساس، في النهاية.

سؤال الأدب..

الى أيّ مدى تثق بما يشبه «الإعترافات» في مجموعتك؟

بصراحة لا أدري مدى تداخل الوعي باللاوعي، الواقع بالخيال بالرغبة بتقنية الكتابة في هذه القصص، لكنها ليست اعترافات، أعرف أن مغامرة ما تكمن في كتابة نصوص كهذه بصيغة المتكلّم في معظمها، لكني أكون أكثر ما أكون لا مبالياً حين أكتب، لا مبالياً بما هو خارج ذاتي، ليست أنانية بقدر ما هي تماه مع وإخلاص للنص. القارئ لا يهمّني أثناء الكتابة، لن أكترث لأي اعتبارات أثناءها، لكني أتلقّى الهمّ مضاعفاً بعد النشر، تماماً كمن «يرتكب معصية» يعرف سيحاسب عليها، ويذهب في معصيته إلى أقصاها، وإن كان لا بدّ من همٍّ فليكن لاحقاً، مهما عظم.

أليست المنطقة التي أدخلت فلسطين إليها عبر قصصك، غريبة عمّا عرفناه في الأدب الفلسطيني؟

أعرف أن الكثيرين لن يتقبّلوا ذلك، لكن هل في فلسطين ما يناقض الإيروتيكا مثلاً، أو ما يناقض علاقات الحب بما فيها من حسّية وروحية؟ لا أعرف أولاً كيف يُعرّف «الأدب الفلسطيني»، تبعاً للقضية أم للجغرافيا؟ في أي مكان آخر في العالم هنالك سينما وأدباً تُعرّفا تبعاً للبلد الخارجة منها، جغرافياً. في فلسطين الأمر مختلف على ما يبدو، القضية عندنا تغلب، وأحب ذلك، أي أن الأدب الفلسطيني هو ما يتعامل مع القضية لا ما يخرج من أهل هذه البقعة الجغرافية، كانوا فيها أم لاجئين عنها. لكن يعيب على الفلسطيني أن يخرج عن نطاق هذه القضية بمعناها المباشر. الفلسطيني ليس مناضلاً بالضرورة، ليس مناضلاً بالفطرة وليس هنالك ما يلزمه اكتسابها. «كرز… تشيزكيك» ليست عن القضية، لكنها عن حبّ الحياة لِـ وفي ومن أجل هذه الأرض، فلتذهب القضية إلى الجحيم، قضيتي هي الأرض، تحديداً، وكلاجئ فلسطيني، الحياة على هذه الأرض.

الفلسطيني ليس كائناً مهذّباً، ولا مخصيّاً، وكما ذكرت في إحدى القصص «جيّد أن للفلسطينية أثداء غير تلك التي ترضع الأطفالَ لتصنع منهم شهداء وأبطال». قد يبدو غريباً أن أقول بأني أرى جانباً إيجابياً في الاقتتال بين فتح وحماس، أنه أظهر للعالم كم نحن بشراً، لسنا أبطالاً ولا قدّيسين، نحن نقتل بعضنا لمصالح حزبيّة، فينا القذرون والزعران كما الأبطال. كتبت هذه القصص أثناء وبُعيد الاقتتال، ولعلّي الآن آثناء إجابتي هذه انتبهت إلى أن هذا الاقتتال حرّرني في الكتابة، لن أكون غريباً إذن حين أحاول كتابة أدب إيروتيكي وأكون فلسطينياً، لو تعرفين كم أحسد الشعوب والأدباء حيث لا قضايا كبيرة تشغلهم.

في السفير، نشرت في ٢٠/١٢/٢٠١١

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s