أدب
اكتب تعليقُا

حوار مع جريدة «الجريدة»

كأن بعض الكتّاب يوصلون ’ديليفري‘ للقارئ

الكتابة خليط من قراءات لنصوص سابقة ومن المزاج الذاتي للكاتب

حاوره: محمد الحجيري

أصدر القاص الفلسطيني سليم البيك مجموعته القصصية «كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» عن «الدار الأهلية»، التي تتمحور حول هموم العلاقة بين الرجل والمرأة، تحديداً في بعدها العاطفي… معه هذا الحوار.

– في زمن ما يسمى الرواية “ديوان العولمة” أو “ديوان الثقافة”، لماذا اخترت أو تكتب القصة القصيرة، هل ما زال هذا الجنس الأدبي يعبّر عن الأفكار في زمن سيطرة النثر والثرثرة؟

في الحقيقة لا أعرف تماماً كيف قرّرت كتابة القصة، أو البدء بهذا المشروع الذي خرج على صيغة “كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك”. لا أذكر أني اخترته بقرار واع، أذكر أني كتبت بعض القصص، وكانت ذا ثيمة واحدة، رميت بعضها واعتنيت أكثر بأخريات، وأكملت وقرّرت لاحقاً، بعد أن كنت قد وجدتُني مسبقاً في منتصف الطريق، أن أكمل الطريق إلى آخرها، أو ليس آخرها، بل أول محطة يمكنني التوقف عندها، وكذا فعلت حين انتهيت من القصة الرابعة والعشرين والآخيرة. لا أدري لماذا لكني حين انتهيت منها أحسست بأني لا بدّ أن أتوقّف هنا، هي الرغبة فقط ربّما، فجأة فقدت الرغبة في كتابة المزيد من القصص لهذا المشروع.

بعضهم يقول بأن كتابة القصة أسهل من الرواية مثلاً، بعضم يقول أصعب. المسألة مركّبة هنا، كتابة الرواية تحتاج نفساً طويلاً يختلف عن كتابة النصوص القصيرة. أما النصوص القصيرة من قصة وقصيدة، ففيها لذّة الكثاقة والتكنيك واللقطة، وكذلك القرصة للقارئ.

– تتمحور هموم “كرزك” حول العلاقة بين الرجل والمرأة، هل المجموعة انعكاس لتجربتك مع المرأة والعشق؟

ليست كذلك. في الكتابة الأدبية شيء من واقع الكاتب، وهذا طبيعي، لكن الواقع هذا يختلط عند الكاتب بمشاعره وأفكاره وخيالاته ووعيه ولاوعيه وأمور كثيرة غيرها. هنالك نسبة من كل شيء في هذه القصص، لكنها حتماً ليست تجارب شخصية. وأنا بكل الأحوال أحب حقيقة أن هنالك نساء في هذا الكون، ولهذا “الحب” حضور في كل تفاصيل حياتي، وهذه القصص المكتوبة إحدى هذه التفاصيل.

– هل المرأة والحب والتلصلص مجرد “ميديا” لدفع القارئ إلى قراءة ما تكتب؟

هذه العناوين الثلاثة حاضرة في حياتنا اليومية، وحين أكتب قصصاً عن تفصيلٍ ما في حياة رجل ما وامرأة ما، سأضطر إلى المرور بأحد أو جميع هذه العناوين. الفكرة أني أكتب بكل حرية دون أي اعتبارات، وليُفهَم على أنه تجارب شخصية أو مجرد “ميديا”، للقارئ الحق في ذلك. وسؤالك هنا طرحٌ مشروع لما نجده في المكتبة العربية من كتب لا تحوي من الأدب بقدر ما تحوي من البزنس والكليشيهات والكبت. المعيار الأساسي عندي هو أن أكون صادقاً فيما أكتب تجاه نفسي، أن أُبسط نفسي في الكتابة، أن أستغلّ ما أمنحه لنفسي من حرية ومن ذاتية ليخرج النص بالنهاية كما أريده. لا أحب الكتابات التجارية، لا أصدّق الكتّاب الذين يكتبون حسب متطلبات السوق، كأنهم يوصلون “ديليفري” للقارئ. الأدب ليس بيتزا نعدّها حسب أفضليات الزبون/القارئ. أكتب ما أحب، وفقط. هذه كتابتي، إن أحبها القارئ كما هي، عال، إن لم يفعل، لا بأس.

– هل تشعر أن لديك روحية خاصة في كتابة القصة؟

لا أعرف صراحة. كتابي الأول كان نصوصاً نثرية، هذا قصصاً، في بالي الآن مشاريع مختلفة. لا تقنعني فكرة أن الكاتب لا بد أن يلتزم بشكل أدبي دون غيره. الأدب هو هو، الأجناس تختلف في المقاربة والتكنيك أساساً، عدا ذلك كلّه أدباً. للخلفية الثقافية والإبداعية والمعرفية تأثيراً كبيراً هنا، معظم الكتّاب حاولوا الكتابة بأكثر من جنس أدبي، وتميّزوا فيما كتبوا. كثير منهم كتب المقالة، والمقالة كتابة إبداعية كذلك، أحكي عن مقالة الرأي والنقد، الذاتية والموضوعية، لا عن التقارير الصحافية الميكانيكية. النقد بحد ذاته فعل إبداعي يمارسه الكثير من الأدباء. أعتقد بأن الكتابة عالم لا يمكن حصره في حدود شكل بعينه.

– كتبت قصصك بطريقة حميمة وشعرية وقدمت تفاصيل في الوصف، لكن ما المعيار الذي فكرت فيه أثناء كتابتك بعض الجمل بالعامية الفلسطينية، هل تفكر بمستقبل اللغة وأنت تكتب، أو أنك تريد اللغة أيضا من الواقع الذي تكتبه؟

لا بد أن تخرج اللغة في الأدب من الواقع الذي نعيشه طالما أن الأدب يحكي عن هذا الواقع. لكني أميل إلى أن يكون النص حصراً بالعربية الفصحى طالما أنه يُقرأ. بالنسبة لي، لن أقرأ نصوصاً كاملة بالعامية الفلسطينية أو غيرها، قد أسمعها ملقاة، لكني لن أقرأها. في اللغة العربية تراكيب ومفردات غاية في الجمال، لن تصلها قدرات اللهجات المحكية. لكن الحوارات القصيرة ضمن قصة أو رواية، أفضّلها بالعامية. قد أكون على خطأ، لكن العامية البسيطة والقليلة هنا ستخلق نكهة محلّية للنصوص، لا بدّ منها.

تم حذف السؤال/الجواب التالي في الجريدة..

– ألم يكن لديك هاجس أن تتعرض مجموعتك للرقابة خصوصا أنها طبعت في الأدرن في هذا البلد الذي ما زال متشدداً؟

طبعاً. حال الحريات الإبداعية في ظل الأنظمة السياسية والاجتماعية والدينية في بلادنا العربية بائس جداً. بصراحة لست من اختار دار النشر، كما تعلم فمخطوط الكتاب شارك في مسابقة مؤسسة القطان للكاتب الشاب وفاز عن القصة القصيرة واتفقت المؤسسة مع دار الأهلية لنشر جميع المخطوطات الفائزة عن جميع المجالات. هنا لا بد من الإشارة إلى أنه لم يكن هنالك أي تدخّلات في النصوص، لا من القطّان ولا من الأهلية. كان للقطان اقتراحات بشأن بعض التعابير التي قد تُعتبر خادشة للحياء، لكني أصريت على إبقائها وبقيت. حتى غلاف المجموعة، هو اقتراح دار النشر، ولعلّه من بين أجرأ ما صُمّم كأغلفة كتب عربية، وقتها زاد قلقي بشأن المنع، فالرقابة قد لا تقرأ النصوص فتفلت منها، أو تقرأها وتغض النظر، لكنها تستسهل حظر الكتاب لرسمة على غلافه فقط، وفي ذلك ظلم أكبر لنصوص الكتاب. لحسن الحظ لم أسمع حتى الآن أن الكتاب قد حُظر، لا في الأردن البلد التي صدر منها الكتاب، ولا في غيره.

– إلى من تعود من كتاب القصة حين تود أن تقرأ.

لا أقرأ بالضرورة القصة أكثر من غيرها، للسينما مثلاً تأثير في كتابة هذه القصص أكثر من القصة. الرواية كذلك، قصائد النثر، أحدهم ظنّ هذه القصص قصائد نثر، لكنها تفتقد للقصديّة والمجانية التي تكتب بها قصيدة النثر، وتفتقد للسرد الذي تكتب به الرواية، وتفتقد لكثير من المنطق الذي قد تكتب به القصة، ليس هنالك لا حبكات ولا كاثارسيس. لا أستطيع أن أسمي لك اسماً واحداً أثّر في كتابة هذه القصص. وإلا لما كان تأثيراً بقدر ما كان محاكاة مقصودة. فعلاً ليس هنالك ما يمكن أن أصرّح لنفسي به على الأقل، بهذا الخصوص. لكني أعتقد بأن الكتابة، والأدب تحديداً، هي خليط من قراءات لنصوص سابقة ومن المزاج الذاتي للكاتب، ولا يمكن فصل هذا الخليط. وأقصد بالنصوص هنا كل أنواع النصوص: لوحات، أفلام، عروض، كتابات.. لعلّ الكتابة هي مجرّد إعادة صياغة ذاتية غير واعية لنصوص تلقاها الكاتب. أحب الفن التشكيلي، الانطباعي منه تحديداً. أحب السينما، الفرنسية والإيطالية منها تحديداً. أقرأ السير الذاتية والنقد والفلسفة وقبل كل شيء الأدب، ولكلٍ تأثيره غير الملموس، لكلٍ حضوره النسبي في ما أكتب.

– سؤال أخير، أي أفق تنتظر لمجلتك “رمّان”؟ وهل هناك احتمال لجعلها مجلة عربية؟ وهل يمكن لمجلة أن تواجه طوفان الانترنت؟

تعرف حال الثقافة العربية وصحافتها. لا أستطيع أن أتوقع الأفق القادم للمجلة. كما تعلم هي مجلة بي دي اف، غير مطبوعة، حاولت تحويلها إلى مطبوعة وبحثت عن داعمين ولم أتوفق حتى الآن، الثقافة في بلادنا هي المشروع الأقل حظاً والأجدر بالفشل تجارياً، أتأمل خيراً. نعم، هنالك سعي بأن تخرج “رمّان” من الحلقة الفلسطينية لتصير مجلة تعنى بالثقافة والفنون العربية إجمالاً، لكن مسؤولية أكبر كهذه تتطلب التزاماً أكبر والمجلة في الطريق لذلك. المجلة انترنتّية بالأساس، أي أنها تستفيد من إمكانات الإنترنت قدر الإمكان، وإن صار لها أن تُطبع، ستبقى على تصالح مع الإنترنت. لا يمكن الآن لأية صحافة إلا أن تكون انترنتّية بمعنى ما. شأن “رمّان” من شأن الصحافة الثقافية العربية، لكني سأبقى معتقداً بتفاؤل الإرادة رغم تشاؤم العقل، على قول غرامشي.

في الجريدة

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s